*رسالة نيويورك.. معركة التمثيل وحماية القرار المستقل* /* أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي

“لن نغادر وطننا، ولن نقبل بالتهجير، ولن نسمح لأحد أن يقرر مستقبلنا نيابة عنا”… بهذه الكلمات اختصر الرئيس محمود عباس في ختام كلمته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة جوهر رسالة فلسطينية تتجاوز اللحظة الراهنة، لتلامس جوهر الصراع على الأرض والهوية والقرار والمستقبل.

فالكلمة لم تكن مجرد عرض للموقف الفلسطيني من الحرب والتهجير والاستيطان، بل حملت في مضمونها سؤالًا أكثر عمقًا: من يمثل الشعب الفلسطيني؟ ومن يحمي قضيته؟ ومن يمتلك حق تقرير مستقبلها؟

من هنا جاءت الشرعية الوطنية الفلسطينية في قلب الخطاب، باعتبارها الإطار الذي يحفظ وحدة القضية وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. فالحديث عن الدولة والقدس واللاجئين والحدود وتقرير المصير لا ينفصل عن المرجعية الوطنية التي حملت القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، وحافظت على استقلال قرارها السياسي.

ولذلك لم يتعامل الرئيس مع غزة باعتبارها قضية منفصلة عن الضفة الغربية والقدس، ولا مع التهجير باعتباره مجرد أزمة إنسانية، ولا مع إعادة الإعمار باعتبارها ملفًا إغاثيًا فقط. فالمسألة في جوهرها تتصل بوحدة الأرض والشعب والقرار، وبمنع تحويل الانقسام الفلسطيني إلى واقع سياسي دائم، أو استخدام المأساة الإنسانية لفرض ترتيبات تتجاوز الإرادة الوطنية الفلسطينية.

وهنا تبرز أهمية التأكيد على أن غزة جزء من فلسطين، والضفة جزء من فلسطين، والقدس عاصمة الدولة الفلسطينية، والشتات جزء أصيل من الشعب الفلسطيني. فالقضية التي جرى الاعتراف بها دوليًا على أنها قضية شعب وحق في تقرير المصير لا يمكن اختزالها في جغرافيا واحدة أو إدارة مؤقتة أو ترتيبات منفصلة.

ومن هذه الزاوية، يصبح الحديث عن منظمة التحرير أبعد من كونه استحضارًا للتاريخ. فالمنظمة هي الإطار الوطني الذي جمع الفلسطينيين في الوطن والشتات، وحمل قضيتهم سياسيًا ودبلوماسيًا، ورسّخ حضورها باعتبارها قضية شعب يسعى إلى الحرية والاستقلال، لا مجرد ملف إنساني ينتظر المساعدات.

والشرعية الوطنية، في المقابل، لا تعني الجمود. بل إن تجديد المؤسسات وتوسيع المشاركة الشعبية والإصلاح وتطوير آليات التمثيل هي جزء من حماية الشرعية نفسها. فالمرجعيات الوطنية تصبح أكثر قوة عندما تتجدد مؤسساتها، وتتسع المشاركة فيها، ويكون الفلسطينيون شركاء في رسم مستقبلهم.

ولهذا فإن أي حديث عن مستقبل القضية الفلسطينية لا يمكن أن يتجاهل مسألة القرار الوطني المستقل. فالفلسطيني الذي دفع أثمانًا باهظة من أجل الحفاظ على استقلالية قراره لا يمكن أن يقبل بأن يقرر الآخرون عنه شكل مستقبله، أو أن تتحول قضيته إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

إن حماية القرار الوطني لا تعني الانغلاق عن العالم، بل تعني أن يكون الانفتاح الدولي والدبلوماسي والقانوني في خدمة الحقوق الفلسطينية، وأن يكون التحرك في الأمم المتحدة والمحاكم والمؤسسات الدولية جزءًا من استراتيجية وطنية، لا بديلًا عن الإرادة الفلسطينية.

ومن هنا أيضًا يمكن فهم تمسك الرئيس بحل الدولتين وبالشرعية الدولية. فالمطلوب، وفق ما طرحه، ليس إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، وإنما الوصول إلى حل سياسي ينهي الاحتلال ويجسد حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال وإقامة دولته، بما يضمن الأمن والسلام لشعوب المنطقة.

وفي ظل كل ما يجري، تبدو المعركة الفلسطينية اليوم متعددة الجبهات: معركة على الأرض في مواجهة الاستيطان والضم، ومعركة على الوجود في مواجهة التهجير، ومعركة سياسية وقانونية في المحافل الدولية، ومعركة وطنية لحماية وحدة الشعب والأرض والقرار.

ولهذا فإن العبارة التي ختم بها الرئيس كلمته ليست مجرد موقف من التهجير: “لن نغادر وطننا” هي تمسك بالأرض، و “لن نقبل بالتهجير” هي حماية للوجود، و “لن نسمح لأحد أن يقرر مستقبلنا نيابة عنا” هي في جوهرها حماية للقرار الوطني الفلسطيني.

وفي هذه المعادلة، تصبح حماية الشرعية الوطنية جزءًا من حماية القضية نفسها، وتصبح منظمة التحرير أكثر من عنوان سياسي؛ إنها الإطار الذي ينبغي أن تبقى داخله وحدة الشعب الفلسطيني وحقوقه ومشروعه الوطني.

فالمعركة ليست فقط على من يسيطر على الأرض، بل أيضًا على من يملك حق تمثيل الشعب الفلسطيني، ومن يحدد أولوياته، ومن يرسم مستقبله.

ولهذا يمكن قراءة كلمة الرئيس في الأمم المتحدة باعتبارها تأكيدًا على ثلاث ثوابت مترابطة: فلسطين واحدة، والقرار الفلسطيني مستقل، ومنظمة التحرير هي الإطار الوطني الجامع الذي يحمي هذا القرار ويمثل الشعب الفلسطيني.

وفي زمن تتعدد فيه المشاريع والوصايات والتصورات المطروحة لمستقبل فلسطين، تبقى المسألة الأهم أن يكون الفلسطيني حاضرًا في تحديد مستقبله، وأن تبقى قضيته بمرجعيتها الوطنية، لا مشروعًا يُدار من خارجها.

فحماية الأرض لا تنفصل عن حماية الشرعية، وحماية الشرعية لا تنفصل عن حماية منظمة التحرير، وحماية منظمة التحرير هي في جوهرها حماية للقرار الوطني الفلسطيني المستقل.