فلسفة المائدة في طرابلس وبلاد الشام: بين حكمة المثل وطرافة المقولة /بقلم الدكتور فؤاد فوزي الطرابلسي
فلسفة المائدة في طرابلس وبلاد الشام: بين حكمة المثل وطرافة المقولة
بقلم الدكتور فؤاد فوزي الطرابلسي
إنّ الطعام في ثقافتنا وموروثنا الشعبي يتجاوز كونه وسيلة لسدّ الرمق، ليكون مبعثاً للأنس، ومجالاً لبسط الكرم، ومساحةً تُزرع فيها الابتسامة وتُصاغ من خلالها حكم الحياة. ولطالما كانت الموائدُ مسرحاً للدعابة اللطيفة والكلام الطيّب في حاضرة طرابلس الفيحاء وسائر مدن بلاد الشام التي تشترك في هذا الإرث الشفهي البديع. ولا تخلو هذه المجالس الشامية من مقولات تُردد لطافتها عبر الأجيال؛ فعلى هذه السفرة تتشابك الأمثال الشعبية العربية لتلخص فلسفة الحياة بكامل أبعادها؛ فتتتجلى معاني الإيثار والجود حين يُقال “اللقمة الهنية تكفي مية” للدلالة على أن المحبة تجعل القليل كافياً، ويُستقبل القادم فجأة بـ “اللقمة تنادي آكلها”، بينما يُحثّ الضيف على الانبساط بـ “الأكل على قدر المودّة”، مع التذكير دائماً بأنّ “طعمي التم بتستحي العين” لما في الجود والإحسان من كسرٍ للحدة وجلبٍ للتقدير والمحبة. كما يُحرَص في البيوت العربية والشامية على وجود التمر لما فيه من البركة والقوت والأمان من الحاجة، مصداقاً للحديث الشريف: “بيتٌ لا تمرَ فيهِ جِياعٌ أهلُهُ”. وفي الوقت نفسه، تُعلمنا المائدة الاعتماد على النفس والاعتدال؛ فـ “من أكل على ضرسه نفع نفسه”، و”إن كان صاحبك عسل لا تأكله كله” كي لا تُستغل طيبة الكرام. وتكتمل الصورة بالاعتناء بجمال التقديم وشكل الطبق لأن “العين تأكل قبل الفم”، بينما يتندر أهل الشام بكل طرافة على الطبق الذي يجافي الحسَن في مظهره ويُوحي بقلة لذته فيقولون تهكماً: “منظره بيغني عن طعمته!” كإشارة لطيفة إلى أن مرآه ينبئ بضعف مذاقه ولا يُغري بالاقتراب منه، مع مراعاة حرية الشخص والتزامه بأعراف مجتمعه وفق المقولة الشائعة: “كول على ذوقك وألبوس على ذوق الناس”. وحتى في إدارة الأمور، يُحذر التراث من التنازع لأن “كثرة الطباخين تحرق الطبخة”، وتُعلمنا التجارب الحذر؛ إذ إنّ “الذي يكتوي من السخونة ينفخ في اللبن”. ولم تغفل الأمثال عن نقد الطبائع السيئة، فيُقال عن الطماع “يأكل غداءه ويتمنى عشاءه”،(اللي متعود على خبزاتك كل ما شافك بيجوع) ويُحذر ممن يظهر الودّ وفي باطنه الأذى بأنه “يطعمك حلاوة ويسمّك بلسانه”. وعندما يُعلن الجميع امتلاءهم وتُرفع الموائد، تتجه الأنظار نحو طرابلس، الفيحاء التي اقترن اسمها بإتقان أطباق الحلويات التراثية وعراقتها؛ من حلاوة الجبن، إلى زنود الست المشبعة بماء الورد، والكنافة النابلسية والطربلسية ذات الزبدة والعسل، لتأتي المقولة اللطيفة التي كان يتردد صداها بخفة دم على لسان الشيخ عاطف المغربي الذي كان يُمازح بها الحضور فيقول : “إنّ في البطن خلوة لا تملؤها إلا الحلوى”، إذ يُرددها الجالسون حبّاً في التودد وتلذذاً بالخِتام، اعترافاً بأنّ أصناف الحلوى هذه تُتمّ هَناء الجمعة، وأنّ سمرة المجلس لا تكتمل إلا برائحتها وبفنجانٍ من القهوة. وحتى بعد الانتهاء من الطعام، تظل المقولات حاضرة بنصائحها وطرائفها، بدءاً من الوصية الشائعة: “تعشَّى وتمشَّى”، وصولاً إلى المداعبة التي يُمازَح بها من يطلب الأكل ليلاً: “نَمْ جائعاً، تستيقظ شبعاناً!”. وهكذا، يكتمل أنس المجلس بالطرفة والدعاء؛ تماماً كما كان يفعل الشيخ عاطف المغربي بروحه المرحة عند ختام الطعام، إذ يلتفت إلى الحضور بابتسامة دافئة ليُمازحهم بالدعاء المأثور: “اللهم اخلف على من بذل، وهيّئ لنا غيره بالعجل”، فيُضفي على المكان ختاماً مبهجاً وضحكةً تبدد رتابة الشبع، ليبقى حضور الشخصية الطريفة محولاً اللقمة من حاجة جسدية إلى مساحة حافلة بالحكمة والبهجة التي تترك أثراً طيباً في القلوب.