*المجلس الوطني الفلسطيني… من تجديد الشرعية إلى حماية القرار الوطني* *أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تعود المؤسسات الوطنية مسألة هامشية، ولا يصبح تجديدها أمرًا يمكن تأجيله، لأن المؤسسة التي تمثل الشعب هي في جوهرها صورة عن قدرته على حماية قضيته وتجديد شرعيته وترتيب أولوياته.
ومن هنا، فإن الحديث عن المجلس الوطني الفلسطيني اليوم ليس حديثًا عن اجتماع أو أسماء جديدة، بل عن سؤال أكبر: من يمثل الشعب الفلسطيني، وكيف يُجدَّد هذا التمثيل في مرحلة تتعرض فيها القضية لمحاولات متواصلة لإعادة تشكيل حاضرها ومستقبلها؟
تأسس المجلس الوطني الفلسطيني في القدس عام ١٩٦٤، بمشاركة ٤٢٢ عضوًا يمثلون الفلسطينيين في مناطق وجودهم المختلفة، وأصبح منذ ذلك الحين أحد أهم عناوين الشرعية الوطنية والإطار الذي نوقشت فيه التحولات الكبرى ورُسمت من خلاله الخيارات السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ومن محطاته البارزة انتخاب الرمز ياسر عرفات رئيسًا للجنة التنفيذية عام ١٩٦٩، وإقرار البرنامج السياسي ذي النقاط العشر عام ١٩٧٤، وإعلان وثيقة الاستقلال الفلسطينية عام ١٩٨٨، وصولًا إلى دورتي غزة عام ١٩٩٦ ورام الله عام ٢٠١٨.
لكن التاريخ وحده لا يكفي. فالمؤسسات الوطنية تحتاج إلى التجديد حتى تبقى قادرة على التعبير عن شعبها. والشعب الفلسطيني اليوم ليس هو الشعب الفلسطيني عام ١٩٦٤؛ فقد تغيرت الأجيال، وتوسعت ساحات الشتات، وتعقدت التحديات. لذلك فإن تجديد المجلس الوطني ليس إجراءً إداريًا، بل استحقاق وطني يعيد وصل الفلسطينيين بإطار تمثيلهم السياسي الجامع، ويمنح المؤسسة قدرة أكبر على التعبير عن واقعهم وتطلعاتهم.
ومن هنا يمكن فهم إصرار الرئيس محمود عباس على المضي نحو تجديد المجلس الوطني، باعتباره محاولة لتجديد شرعية التمثيل الفلسطيني، وإشراك الفلسطينيين في الوطن والشتات، وإعادة تفعيل إحدى أهم مؤسسات منظمة التحرير في وقت تحتاج فيه القضية إلى مرجعية وطنية واضحة.
وقد يختلف الفلسطينيون حول التوقيت أو الآليات، وهذا حق طبيعي، بل إن النقاش حول الشفافية والتمثيل والضمانات ضروري. لكن الاختلاف حول الآلية يجب ألا يتحول إلى تعطيل لفكرة التجديد نفسها. أما الفلسطينيون في الشتات، فهم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، ولذلك فإن إشراكهم في انتخاب المجلس الوطني مسألة جوهرية. وعندما يتعذر الانتخاب المباشر في بعض الساحات، يمكن أن يشكل المجمع الانتخابي آلية عملية للحفاظ على التمثيل، شرط أن يكون شفافًا وعادلًا، وألا يتحول إلى بديل دائم عن المشاركة المباشرة.
وهنا يجب أن يكون السؤال الفلسطيني واضحًا: أي مجلس وطني نريد؟
نريد مجلسًا يجدد شرعية التمثيل، ويحافظ على منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع، ويعيد وصل الداخل بالشتات، ويمنح الأجيال الجديدة مساحة حقيقية في صناعة القرار.
نريد مجلسًا تكون فيه فلسطين أكبر من الفصيل، والهوية الوطنية أوسع من التنظيم، والشرعية أقوى من الأشخاص، والقرار الوطني أعمق من الحسابات المرحلية.
فالمجلس الوطني ليس مجرد قاعة يجتمع فيها أعضاء، ولا صندوق اقتراع تنتهي مهمته عند إعلان النتائج؛ إنه أحد أهم عناوين السؤال الفلسطيني: من يمثلنا؟ وإلى أين نذهب؟
وفي زمن يحاول فيه الاحتلال تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتفتيت الرواية وضرب وحدة الشعب، فإن تجديد المؤسسة الوطنية الجامعة جزء من معركة البقاء السياسي.
قد تتغير المدن والأجيال والظروف، لكن جوهر الفكرة يجب أن يبقى ثابتًا: أن يكون للشعب الفلسطيني عنوان وطني جامع، وأن تبقى منظمة التحرير الفلسطينية الإطار الذي تتجمع فيه إرادته السياسية، وأن يكون المجلس الوطني مساحة لتجديد هذه الإرادة وتوسيع المشاركة فيها.
وفي قضية بحجم فلسطين، لا يكفي أن نحافظ على ما صنعه التاريخ؛ بل علينا أن نمنح التاريخ مؤسسة قادرة على صناعة المستقبل.