*الأمن الفكري… حين نحمي وعي الإنسان، نحمي الوطن* * أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
قد نخسر كثيرًا ونحن نمضي في الطريق، لكن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس الطريق نفسه، بل البوصلة التي تخبرنا إلى أين نمضي ولماذا. فالأوطان لا يحميها السلاح وحده، ولا تصون قضاياها كثرة الشعارات، وإنما يحميها الإنسان حين يعرف من هو، وما الذي ينتمي إليه، وما الذي يستحق أن يتمسك به حين تختلط الأصوات وتتعدد الروايات.
من هنا، لا يعود الأمن الفكري ترفًا ثقافيًا أو مصطلحًا يُتداول في الخطابات، بل يصبح ضرورة لحماية الإنسان والمجتمع من التحول إلى ساحة مفتوحة لكل فكرة عابرة، ولكل معلومة مضللة، ولكل رواية تُقدَّم على أنها حقيقة. فالمعركة في زمننا لم تعد تدور على الأرض وحدها؛ هناك معركة أخرى تجري داخل العقول، تُستخدم فيها الصورة والكلمة والخبر والشائعة والخوارزمية، ويُراد من خلالها التأثير في طريقة فهم الإنسان لما يحدث من حوله، وفي نظرته إلى نفسه ومجتمعه وقضيته.
وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب الأمن الفكري معنى أكثر عمقًا، لأن المسألة لا تتعلق فقط بحماية فكرة سياسية، بل بحماية هوية وذاكرة ورواية وانتماء. فلسطين ليست اسمًا على خارطة فحسب؛ إنها ذاكرة تتناقلها الأجيال، وأسماء قرى ومدن، وبيوت تركها أصحابها قسرًا، وحكايات بقيت حيّة رغم محاولات اقتلاعها من المكان والإنسان.
ولذلك، فإن معرفة الفلسطيني بفلسطين ليست مجرد معرفة بالتاريخ، بل هي جزء من حماية الذات من النسيان. حين يعرف اللاجئ اسم قريته التي لم يرها، وحين يكبر الطفل وهو يعرف أين كانت أرض أجداده، وحين تبقى الحكاية حاضرة في البيت لا بوصفها حنينًا إلى الماضي فحسب، بل بوصفها فهمًا للحق والانتماء، تصبح الذاكرة أكثر من استعادة لما كان؛ تصبح قدرة على مواجهة ما يُراد أن يكون.
فالاحتلال لا يحاول السيطرة على الأرض وحدها، بل يسعى أيضًا إلى التأثير في الرواية التي تُروى عنها، وفي الصورة التي تتشكل عنها في وعي الأجيال. ولهذا فإن حماية الذاكرة الفلسطينية ليست مسؤولية عاطفية فقط، بل مسؤولية معرفية ووطنية؛ لأن الإنسان الذي يعرف جذوره يستطيع أن يفهم حاضره، ومن يفهم حاضره يكون أكثر قدرة على صناعة مستقبله.
لكن الأمن الفكري لا يعني أن نغلق أبواب التفكير أو نخشى الاختلاف. على العكس، العقل المحصّن هو العقل الذي يستطيع أن يسأل ويناقش ويختلف دون أن يفقد ثوابته، وأن يسمع الرأي الآخر دون أن يتحول الحوار إلى خصومة. فالمجتمع القوي ليس هو الذي تتطابق فيه العقول، وإنما الذي تستطيع عقول مختلفة أن تلتقي حول القضايا الكبرى والمصلحة الوطنية، من دون أن تجعل من الاختلاف سببًا لهدم ما يجمعها.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الوطنية والإعلامية. فبناء الوعي لا يحدث في لحظة واحدة، ولا تصنعه محاضرة أو منشور، وإنما يتشكل تدريجيًا من طريقة التربية، ومن نوع المعرفة التي نقدمها لأبنائنا، ومن اللغة التي نستخدمها في الحوار، ومن قدرتنا على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتضليل، وبين النقد الذي يصحح المسار والخطاب الذي يهدم الثقة.
وللإعلام في هذه المعركة مسؤولية خاصة. فالإعلام لا يكتفي بنقل ما يحدث؛ إنه يساهم، بقصد أو من دون قصد، في تحديد الطريقة التي يرى بها الناس ما يحدث. وقد تكون جملة واحدة أكثر تأثيرًا من عشرات الخطب، وقد تصنع صورة منشورة في لحظة أثرًا يبقى في ذهن شاب سنوات. لذلك فإن الكلمة الإعلامية ليست مادة للاستهلاك السريع، بل مسؤولية تجاه عقل المتلقي ووعيه.
وفي فلسطين تحديدًا، لا يمكن فصل الأمن الفكري عن حماية الانتماء الوطني. المطلوب ليس أن نُنشئ أجيالًا تردد ما نقول، بل أجيالًا تعرف لماذا تنتمي، وتفهم تاريخها، وتدرك حقوقها، وتمتلك القدرة على قراءة الواقع بوعي، دون أن تسمح للضجيج أن يصادر بوصلتها.
فالقضية التي لا تجد مكانًا في عقل الجيل الجديد، مهددة بأن تتحول مع الوقت إلى ذكرى. أما القضية التي تتحول إلى معرفة راسخة ووعي حي، فإنها تستطيع أن تعبر الأجيال دون أن تفقد جوهرها.
الأمن الفكري، في جوهره، ليس بناء جدار حول العقل، بل بناء عقل لا يحتاج إلى جدار. عقل يعرف كيف يميّز، وكيف يسأل، وكيف يختلف، وكيف يحاور، وكيف يحمي ثوابته دون أن يتحول إلى أسير للتعصب أو الانغلاق. وهذا النوع من الوعي هو الذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الشائعة، وأقل قابلية للتضليل، وأكثر ثباتًا أمام محاولات صناعة اليأس وفقدان الثقة.
وفلسطين، التي دفعت ثمنًا باهظًا لأنها رفضت أن تُمحى من الجغرافيا والذاكرة، تحتاج إلى أن تحمي أبناءها أيضًا من أخطر أشكال المحو: أن يعرف الجيل اسم فلسطين، لكنه لا يعرف معناها؛ أن يحمل صورتها، لكنه لا يفهم تاريخها؛ أن يردد شعاراتها، لكنه لا يمتلك المعرفة التي تجعله قادرًا على الدفاع عنها.
لهذا، فإن معركة الوعي ليست معركة جانبية. قد تتغير الظروف، وتتبدل الأدوات، وتتسارع الأحداث، لكن الإنسان الذي يمتلك البوصلة لا يفقد الاتجاه مهما اشتد الضجيج من حوله.
وفي النهاية، لا يُقاس أمن الوطن فقط بقدرته على حماية حدوده، بل أيضًا بقدرته على حماية وعي أبنائه. ولا تُقاس قوة القضية بعدد من يتحدثون عنها، بل بعدد من يعرفونها ويؤمنون بحقها ويفهمون مسؤوليتهم تجاهها.
فحين نحمي وعي الإنسان، نحمي الوطن؛ وحين نحمي ذاكرة الأجيال، لا نحفظ فلسطين في الذاكرة فقط… بل نحفظ الذاكرة نفسها من أن تُنتزع منها فلسطين.