أُغلق باب نيويورك… وبقيت فلسطين داخل قاعة الأمم المتحدة* /*أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
ليست كل الأبواب التي تُغلق قادرة على إغلاق ما وراءها، وبعض القرارات التي تُتخذ في الغرف المغلقة تفتح أسئلة أكبر من القرار نفسه. وربما لهذا تبدو قصة منع رئيس دولة فلسطين محمود عباس من الوصول شخصيًا إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، أكبر من مجرد تأشيرة لم تُمنح، أو مقعد بقي شاغرًا في قاعة اعتادت فلسطين أن يكون صوتها حاضرًا فيها.
غدًا الخميس، ٢٤ أيلول ٢٠٢٦، تصل المفارقة إلى ذروتها؛ فالرئيس محمود عباس سيلقي كلمته أمام الجمعية العامة عبر تسجيل مصوّر، بعدما حالت الإجراءات الأميركية دون مشاركته شخصيًا في نيويورك. وكانت الجمعية العامة قد اعتمدت في ١٧ أيلول قرارًا بأغلبية ١٥٢ دولة مقابل ٣ دول صوتت ضده و٤ امتنعت عن التصويت، يتيح لدولة فلسطين تقديم كلمة مسجلة لرئيسها تُعرض داخل قاعة الجمعية العامة خلال المناقشة العامة.
في المشهد الظاهري، أُغلق باب المدينة أمام الرئيس الفلسطيني، لكن في المشهد الأعمق بقي منبر الأمم المتحدة مفتوحًا أمام فلسطين. فالدولة المضيفة تملك أدوات الدخول إلى أراضيها، لكن الجمعية العامة هي التي قررت شكل مشاركة فلسطين في أعمالها، بما يؤكد أن حضور الدولة الفلسطينية داخل المؤسسة الدولية لا يُختزل في بوابة جغرافية أو تأشيرة دخول.
وهنا لا يعود السؤال فقط: كيف وصل الصوت الفلسطيني رغم المنع؟ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا كان لا بد أصلًا من محاولة منعه؟
للعام الثاني على التوالي، يتكرر المشهد. ففي أيلول ٢٠٢٥، وبعد رفض منح التأشيرات للرئيس عباس ومسؤولين فلسطينيين، أقرت الجمعية العامة قرارًا سمح لدولة فلسطين بتقديم كلمة رئيسها مسجلة مسبقًا، بأغلبية ١٤٥ دولة مقابل ٥ امتنعت عن التصويت. كما أشار القرار إلى أحكام اتفاقية مقر الأمم المتحدة المتعلقة بالوصول إلى مقر المنظمة.
وتكرار المشهد لا يجعله عاديًا، بل يجعله أكثر دلالة؛ لأن المسألة لم تعد ظرفًا عابرًا، وإنما أصبحت أمام سابقة تتكرر للسنة الثانية: محاولة منع الوصول إلى المكان، يقابلها قرار من الجمعية العامة بفتح منبرها أمام الصوت الفلسطيني.
وفلسطين لم تدخل الأمم المتحدة من نافذة خلفية، ولم تستعر حضورها من أحد. ففي ٢٩ تشرين الثاني٢٠١٢، اعتمدت الجمعية العامة القرار ٦٧/١٩، الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، بأغلبية ١٣٨ دولة مقابل ٩ دول ضد و٤١ امتنعت عن التصويت.
ومنذ ذلك التحول، أصبح لفلسطين موقع رسمي داخل منظومة الأمم المتحدة، مع حق المشاركة في جلسات الجمعية العامة وأعمالها وفق المكانة التي أقرّتها الجمعية. وهذا الفارق، وإن بدا في لغة البروتوكول تفصيلًا، يحمل في السياسة معنى أبعد بكثير؛ لأن فلسطين لم تعد مجرد قضية يتحدث العالم عنها، بل أصبحت صاحبة حضور وصوت داخل المؤسسة الدولية.
ومن هنا يمكن فهم حساسية منع الرئيس من الوصول إلى نيويورك. فالمسألة لا تختزل في شخص محمود عباس، ولا في دقائق الخطاب التي كان سيلقيها من على منبر الجمعية العامة، وإنما في رمزية المنبر نفسه. فعندما يحضر الفلسطيني إلى قاعة الأمم المتحدة، لا يحضر فردًا فقط؛ تحضر معه فلسطين بتاريخها وشعبها ولاجئيها ومدنها ومخيماتها، وتحضر قضية حملتها الأجيال من النكبة إلى المؤسسات الدولية، ومن الذاكرة إلى القانون والسياسة.
وربما لهذا تبدو المفارقة أكثر وضوحًا: كلما ضاق باب جغرافي، اتسع المجال السياسي. وكلما حاول قرار أن يختصر فلسطين في غياب رئيسها عن مقعد، جاء التصويت داخل الجمعية العامة ليؤكد أن فلسطين ليست مقعدًا شاغرًا.
١٥٢ دولة قالت نعم لمشاركة فلسطين الافتراضية في أعمال الجمعية العامة، بينما قالت ٣ دول لا، وامتنعت ٤ عن التصويت. والقرار لم يكن متعلقًا باستثناء شخصي بقدر ما كان متعلقًا بمشاركة دولة فلسطين في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة.
وهنا تكمن دلالة المشهد: قد تستطيع دولة أن تتحكم في بوابة أراضيها، لكن الجمعية العامة تستطيع أن تفتح منبرها. وبين سلطة البوابة وسلطة المنبر تتكشف طبيعة المشهد كله؛ فالجغرافيا قد تحدد مكان الجسد، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد مكان القضية في السياسة الدولية.
فالقضية الفلسطينية، التي حاول الاحتلال أن يحاصرها بالجغرافيا، حملها اللاجئون من البيوت إلى المخيمات، وحملها السياسيون من العواصم إلى المنظمات الدولية، وحملتها الأجيال من الذاكرة إلى الوعي. ولهذا لم يعد السؤال اليوم: أين يجلس الفلسطيني فقط؟ بل أين أصبحت فلسطين نفسها في هذا العالم؟
غدًا، عندما يبدأ تسجيل كلمة الرئيس محمود عباس داخل قاعة الجمعية العامة، لن يكون المشهد مجرد رئيس يتحدث عبر شاشة؛ سيكون مشهدًا يختبر معنى الحضور الفلسطيني في النظام الدولي.
فقد يُغلق باب نيويورك، وقد يبقى المقعد خاليًا، وقد تُحاصر الحركة بالجغرافيا، لكن فلسطين التي حصلت على صفة دولة مراقب غير عضو بقرار أممي، والتي قررت الجمعية العامة أن تستمع إلى صوت رئيسها رغم غيابه، لا يمكن اختزال حضورها في بوابة مطار.