*القضبان لا تحاصر فلسطين* / *أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
هناك أبوابٌ تُغلق بالمفاتيح، وأبوابٌ تُغلق بالحديد، لكنّ بعض الأبواب، مهما أُغلقت، لا تستطيع أن تحجب ما وراءها. وفي سجون الاحتلال الإسرائيلي، ثمة أبوابٌ أُغلقت على أجساد أسرى وأسيرات فلسطينيين، لكنها لم تستطع أن تغلق الحكاية، ولا أن تطفئ الذاكرة، ولا أن تحاصر معنى الحرية.
خلف تلك الأبواب يقف الأسرى والأسيرات الفلسطينيون، لا كأرقامٍ في سجلات سجون الاحتلال، ولا كملفاتٍ تنتظر حكمًا أو موعدًا، بل كأبناء شعبٍ اقتُطعت من أعمارهم سنوات، وغُيّبت عنهم تفاصيل الحياة، وأُبعدوا عن أهلهم وبيوتهم، وكأن الحرية امتيازٌ يمكن أن يُسحب من الإنسان متى شاء السجّان.
في السجن، لا يمرّ الوقت كما يمرّ خارجه. هناك، تتحول الأيام إلى انتظار، والشهور إلى ثقل، والسنوات إلى أعمار كاملة. يكبر الأطفال بعيدًا عن آبائهم وأمهاتهم، وتكبر الأمهات على صور أبنائهن، وتبقى العائلات معلّقة بين زيارةٍ قد لا تأتي، وخبرٍ تخشى سماعه، وأملٍ ترفض أن تتركه.
وللأسيرات حكاية أخرى من الألم؛ فالزنزانة لا تأخذ منهن الحرية وحدها، بل تنتزع منهن تفاصيل الأمومة والأسرة والحياة التي تبدو في الخارج عادية، لكنها في الأسر تصبح حلمًا. أمٌّ خلف القضبان لا ترى أبناءها يكبرون، وابنةٌ تغيب عن والديها، وزوجةٌ يُسرق من عمرها زمنٌ كان يفترض أن يكون مع عائلتها. ومع ذلك، تبقى الأسيرة الفلسطينية شاهدًا على أن القيد قد يطال الجسد، لكنه لا يستطيع أن يختصر الإنسان.
ثم تأتي الأحكام العالية، والسنوات التي تُكتب على الورق وكأن العمر مجرد أرقام، والاعتقال الإداري الذي قد يطيل الغياب خلف القضبان، والعزل والتضييق والإهمال الطبي وسوء المعاملة وظروف الاحتجاز القاسية. وقد وثقت جهات أممية وحقوقية تقارير عن احتجاز فلسطينيين بمعزل عن العالم الخارجي، وعدم إبلاغ عائلاتهم بمصيرهم أو أماكن وجودهم، وهي ممارسات قالت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب إنها قد ترقى إلى الاختفاء القسري، إلى جانب مخاوف موثقة بشأن التعذيب وسوء المعاملة وظروف الاحتجاز.
وهنا لا يعود السؤال: كم سنة سيقضي الأسير في سجنه؟ بل يصبح السؤال أكثر قسوة: من الذي منح السجّان الحق في أن يقتطع من عمر إنسان سنواتٍ لا تعود؟ ومن الذي يمنحه الحق في أن يحجب إنسانًا عن أهله، وأن يجعل مصيره مجهولًا، وأن يحوّل غيابه إلى بابٍ مغلق لا يعرف ما وراءه إلا السجّان؟
وفي حالة الأسيرات والفتيات الفلسطينيات، تبدو الصورة أكثر قسوة؛ فقد وردت تقارير أممية عن العزل عن العائلات والمحامين، والحرمان من مستلزمات النظافة، وظروف احتجاز مهينة، إلى جانب ادعاءات تتعلق بسوء المعاملة والعنف والإذلال. وهذه ليست تفاصيل صغيرة في حياة امرأة خلف القضبان؛ إنها مساس بالكرامة الإنسانية ذاتها.
ومن هنا، يصبح السؤال أكبر من الزنزانة نفسها: كيف يمكن للاحتلال أن يحتل الأرض، ثم يمنح نفسه سلطة محاكمة صاحب الأرض؟ وكيف لمنظومة تقوم، في الوعي الفلسطيني، على مصادرة الحرية والسيادة والحق، أن تتحول إلى مرجعية تقرر من يبقى حرًا ومن يُسجن، ومن يرى أبناءه ومن يُحرم منهم؟
بالنسبة للفلسطيني، لا يبدأ الظلم عند باب الزنزانة؛ فالزنزانة ليست إلا صورةً من صور واقعٍ أكبر اسمه الاحتلال. ولذلك، لا يمكن فصل قضية الأسرى عن القضية الفلسطينية، ولا يمكن اختزالها في ملفات قضائية أو أرقامٍ في سجلات السجون. فالأسير لا يدخل الزنزانة وحده؛ يدخلها ومعه وطنه، وذاكرته، واسمه، وحكاية شعبه.
وفي ظل هذا الاحتلال، لا يبدو الفلسطيني أمام طريقٍ طبيعي للحياة بقدر ما يبدو أمام احتمالاتٍ يفرضها واقع القوة والقهر: قد يكون أسيرًا، وقد يكون جريحًا، وقد يفقد حياته شهيدًا. ليست هذه قدريةً تُكتب على جبين الفلسطيني، بل صورةٌ لما يتركه الاحتلال من آثار على شعبٍ يعيش تحت وطأة القوة والعنف ومصادرة الحرية؛ حتى باتت أعمار الفلسطينيين تُقاس أحيانًا بما نجا منه الإنسان، لا بما كان يحلم أن يعيشه.
وهنا يصبح الأسير جزءًا من صورة أكبر: فالسجن ليس جزيرةً منفصلة عن الاحتلال، والزنزانة ليست عالمًا قائمًا بذاته. خلف كل أسير قصة بيت، وخلف كل جريح قصة حياة، وخلف كل شهيد عائلة وذاكرة ووطن. وفي كل هذه الصور، يبقى الإنسان الفلسطيني هو المستهدف في حقه بأن يعيش حرًا وآمنًا على أرضه.
قد يملك السجّان مفتاح الباب، وقد يملك القدرة على إغلاق الزنزانة، وقد يكتب على ورقة حكم سنواتٍ طويلة، لكنه لا يستطيع أن يمنح الاحتلال شرعيةً في قلب إنسانٍ يرى أن أرضه وحقوقه وحريته ليست منّةً من أحد.
وقد يستطيع الاحتلال أن يحجب إنسانًا عن عائلته، وأن يمنع عنه العالم، وأن يجعل مكانه مجهولًا لفترة من الزمن؛ لكنه لا يستطيع أن يمحو اسمه من ذاكرة شعبه. فالاختفاء قد يحجب الجسد، لكنه لا يمحو الحضور، والقيد قد يمنع الحركة، لكنه لا يصادر الانتماء.
وهنا تكمن المفارقة: أن يتحول القيد إلى شاهد، وأن تصبح الزنزانة ذاكرة، وأن يصبح الأسير نفسه دليلًا على أن القضية التي حاولوا حبسها بقيت حيّة. فكلما أُغلق باب، بقيت الحكاية خارجه؛ وكلما طال الحكم، بقي العمر شاهدًا على ما لا تستطيع الأوراق أن تمحوه.
فكل أسير وراءه عائلة تنتظر، وكل أسيرة وراءها بيتٌ يفتقدها، وكل حكمٍ طويل وراءه عمرٌ لا يعود. وفي الجهة الأخرى من القضبان، أمهاتٌ يحملن صور أبنائهن، وآباءٌ ينتظرون أبناءهم، وأطفالٌ كبروا على سؤالٍ واحد: متى يعود؟
لهذا، لا يجوز أن يصبح طول الأسر سببًا لنسيان الأسير، ولا تكرار الانتهاكات سببًا للتعايش معها، ولا كثرة الأحكام سببًا للاعتقاد بأن الورق يستطيع أن يغيّر الحقيقة. فالإنسان لا يفقد كرامته لأنه أصبح خلف القضبان، والحق لا يصبح باطلًا لأنه صدر بحقه حكم، والاحتلال لا يتحول إلى شرعية لمجرد أنه امتلك السجن والمحكمة والمفتاح.
إن قضية الأسرى والأسيرات هي مرآة فلسطين نفسها؛ فيها نرى وجع الوطن، وطول الطريق، وقسوة الاحتلال، وفيها أيضًا نرى قدرة الإنسان الفلسطيني على أن يحافظ على ذاته حين يُراد له أن يفقد كل شيء.
قد تُسلب الحرية من الجسد، وقد يُحرم الأسير من رؤية أهله، وقد تمر السنوات ثقيلة خلف الحديد، لكن هناك شيئًا لا يستطيع السجّان مصادرته: أن تبقى الذاكرة حيّة، وأن يبقى الاسم حاضرًا، وأن يبقى الوطن في القلب.
ولذلك، فإن الأسرى والأسيرات ليسوا خلف القضبان فقط؛ إنهم في قلب فلسطين، وفي ذاكرة شعبها، وفي ضمير كل من يرى أن الحرية ليست منحةً يمنحها السجّان، بل حقًا أصيلًا لا تسقطه السنوات ولا تغلقه الأبواب.
فالسجّان يستطيع أن يغلق بابًا، لكنه لا يستطيع أن يغلق وطنًا. ويستطيع أن يحاصر جسدًا، لكنه لا يستطيع أن يحاصر فكرة. ويستطيع أن يعدّ سنوات الأسر، لكنه لا يستطيع أن يعدّ السنوات التي ستبقى فيها فلسطين حيّة في الذاكرة.
هم الأسرى والأسيرات… أجسادٌ خلف القضبان، وأعمارٌ تمضي في الأسر، لكن فلسطين التي يحملونها في قلوبهم ما زالت خارج السجن… وما زالت تتنفّس.