*فلسطين أمام استحقاق المرحلة… أكثر من انتخابات*/ *أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
في بعض المراحل، لا تكون الأحداث مجرد مواعيد سياسية تنتظر اكتمالها، بل تصبح امتحانًا لفكرة أوسع من الحدث نفسه. واليوم، فيما تترقب العيون الفلسطينية استحقاق انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، تبدو المسألة أكبر من انتخابات تُجرى، ومقاعد تُملأ، وأسماء تُعلن؛ إنها لحظة تستدعي أن نتوقف أمام معنى البيت الوطني الفلسطيني، وأمام السؤال الذي لا يجوز أن نؤجله: من يمثل الفلسطينيين، وما هو الإطار الذي يجمعهم حين تتعدد الجغرافيا، وتتباين المواقف، وتشتد الضغوط؟
المجلس الوطني الفلسطيني لم يولد من فراغ، ولم يكن يومًا مجرد مؤسسة إدارية أو هيئة انتخابية. إنه جزء أساسي من بنية منظمة التحرير الفلسطينية، التي تشكلت عبر عقود كإطار وطني جامع لفلسطينيي الوطن والشتات، وحملت القضية الفلسطينية إلى المحافل العربية والدولية، وظلت عنوانًا للتمثيل الوطني الفلسطيني. وقد ترسخ الاعتراف العربي والدولي بهذا الدور عبر مراحل تاريخية متعاقبة، وصولًا إلى اعتراف الأمم المتحدة بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني ومنحها صفة المراقب لديها عام ١٩٧٤.
ولهذا، فإن الحديث عن تجديد المجلس الوطني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إعادة ترتيب للمقاعد فقط، بل باعتباره فرصة لتجديد الحياة داخل المؤسسة الوطنية نفسها. فالمؤسسات الحية لا تخاف من التجديد، ولا تعتبر النقد تهديدًا، ولا تغلق أبوابها أمام الأجيال الجديدة والكفاءات والطاقات والشتات؛ بل تقوى بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وتوسيع المشاركة، وتجديد أدواتها بما يحفظ جوهرها ويجعلها أكثر التصاقًا بشعبها.
لكن هنا يجب أن تكون الرسالة واضحة، للفلسطيني أولًا وللعالم ثانيًا: منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، والإطار الوطني الجامع الذي احتضن القضية الفلسطينية ومثّل شعبنا في الوطن والشتات. ولذلك فإن تطوير مؤسساتها، وتجديد تمثيلها، وتوسيع المشاركة فيها هو الطريق الطبيعي نحو تعزيزها، أما تجاوزها أو إنشاء أطر بديلة تدّعي تمثيل الفلسطينيين خارجها، تحت أي ذريعة كانت، فلا يعالج أزمة التمثيل، بل يفتح الباب أمام تعدد المرجعيات وإضعاف الإجماع الوطني.
والإجماع الوطني لا يعني أن يتفق الفلسطينيون على كل شيء، ولا يعني إلغاء التعدد السياسي أو إسكات الأصوات المختلفة. على العكس، فالاختلاف والنقد والمطالبة بالإصلاح يمكن أن تكون عناصر قوة حين تبقى داخل الإطار الوطني الجامع. أما المشكلة فتبدأ عندما يتحول الخلاف من وسيلة لتصحيح المسار إلى مشروع للخروج من الإطار، أو عندما تصبح حجة عدم التمثيل مبررًا لبناء عنوان جديد في مواجهة العنوان الوطني القائم.
فمن يشعر أنه غير ممثل، من حقه أن يطالب بتمثيله. ومن يرى خللًا في المؤسسة، من حقه أن يطالب بإصلاحها. ومن يريد تجديد الحياة السياسية، من حقه أن يدفع باتجاه التجديد. لكن الطريق إلى كل ذلك يمر عبر توسيع البيت الوطني وإصلاحه من الداخل، لا عبر بناء بيوت متقابلة. فليس كل خلاف يحتاج إلى مؤسسة جديدة، وليس كل تباين يحتاج إلى مرجعية جديدة، وإلا تحولت الساحة الفلسطينية من تعدد سياسي صحي إلى تعدد عناوين يربك القرار الوطني ويضعف القدرة على مواجهة التحديات.
وهنا تصبح مسؤولية المجلس الوطني القادم أكبر من مجرد استكمال استحقاق انتخابي؛ إذ إن قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على إعادة الثقة بالمؤسسة، وتوسيع المشاركة، واستيعاب الطاقات الجديدة، وربط الداخل بالشتات، وإعادة التأكيد أن الفلسطيني، أينما كان، جزء من قضية واحدة ومشروع وطني واحد. فاللاجئ في المخيم، والفلسطيني في الوطن، وابن الشتات، والشاب والمرأة والكفاءة الوطنية، جميعهم مكونات لهذا الشعب، ولا ينبغي أن تتحول الجغرافيا إلى جدران داخل الهوية الوطنية.
وفي هذه المرحلة بالذات، التي تتعرض فيها القضية الفلسطينية لضغوط سياسية وميدانية متواصلة، يصبح الحفاظ على وحدة التمثيل الوطني أكثر إلحاحًا. فالاحتلال يستطيع أن يضغط على الأرض، وأن يغير الوقائع، وأن يحاصر المدن والمخيمات، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية هو أن تتحول الخلافات الفلسطينية إلى عناوين متنافسة على من يملك حق تمثيل فلسطين.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست على من يجلس تحت قبة المجلس الوطني، بل على أن يبقى هناك إطار وطني قادر على جمع الفلسطينيين رغم اختلافاتهم. ليست القضية أن نمنع الاختلاف، بل أن نمنع الاختلاف من التحول إلى انقسام جديد؛ وليست في تجميد المؤسسة، بل في تجديدها؛ وليست في إقصاء الأصوات الجديدة، بل في إدخالها إلى البيت الوطني ومنحها دورها ومساحتها ومسؤوليتها.
لقد علّمتنا التجربة الفلسطينية أن القضية أكبر من الأشخاص، وأبقى من المراحل، وأوسع من الفصائل. ومنظمة التحرير ليست ملكًا لفصيل أو قيادة أو جيل، بل هي إطار وطني تشكل عبر التاريخ السياسي الفلسطيني، ولذلك فإن الحفاظ عليها لا يعني الحفاظ على واقع جامد، بل يعني تطويرها وتجديدها وتعزيز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني بكل مكوناته.
وفي هذه اللحظة، ربما يكون السؤال الأهم ليس: من سيحصل على مقعد؟ بل: ماذا سنفعل بهذا المقعد بعد الوصول إليه؟ وهل سيكون المجلس الوطني محطة لتجديد البيت الفلسطيني، أم مجرد محطة أخرى في مسار الخلاف؟
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن مسؤولية تجديد التمثيل وتطوير المؤسسات تبدأ بعدها. وإذا كان المطلوب هو توسيع المشاركة وتجديد الحياة الوطنية، فإن الطريق لا يكون بتعدد المرجعيات، بل بتوسيع المشاركة داخل الإطار الوطني الجامع.
فلسطين لا تحتاج إلى عناوين أكثر، بل إلى عنوان أقوى. لا تحتاج إلى بيوت وطنية متقابلة، بل إلى بيت واحد يتسع للاختلاف، ويحتمل النقد، ويستوعب التجديد. وفي مرحلة بهذه الحساسية، يصبح الحفاظ على وحدة التمثيل الوطني مسؤولية لا تقل أهمية عن أي استحقاق انتخابي.
فالاختلاف داخل البيت يمكن أن يصنع حياة، أما الخروج منه وبناء بيت آخر فلا يصنع وطنًا أكثر وحدة.