*فرّقتهم النكبة… ولم تقسّمهم فلسطين* * أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي
حين نتحدث عن الفلسطينيين في أراضي ١٩٤٨، كثيرًا ما نضعهم في خانة “فلسطينيي الداخل”، وكأن هناك فلسطينيًا في الداخل وفلسطينيًا آخر في الشتات. لكن حين نعود إلى أصل الحكاية، تبدو الصورة أبسط وأعمق: نحن أمام شعب واحد، فرّقت النكبة أبناءه، ووزعتهم الجغرافيا، لكنها لم تستطع أن تغيّر انتماءهم.
ولكي نفهم هذا التوزّع الفلسطيني، لا بد من العودة إلى السبب الأساسي الذي صنع هذه المأساة: الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وما رافقه من جرائم ارتكبتها عصاباته بحق الشعب الفلسطيني، من قتل وتهجير واقتلاع وتدمير للقرى والمدن، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض ودفع الفلسطينيين بعيدًا عن وطنهم. ومن هنا لم تكن النكبة مجرد تحوّل جغرافي، بل كانت اقتلاعًا قسريًا لشعب من أرضه، وتفكيكًا لمجتمعه، وتشتيتًا لعائلاته بين أماكن متعددة.
في عام ١٩٤٨، لم تكن النكبة مجرد خروج أعداد كبيرة من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، بل كانت اقتلاعًا لعائلات من بيوتها، وتغييرًا قسريًا في مسار أجيال كاملة. بعض الفلسطينيين بقي في أرضه، وبعضهم لجأ إلى القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، بينما حمل آخرون ما استطاعوا من أمتعتهم وذاكرتهم إلى لبنان وسوريا والأردن وغيرها من أماكن الشتات.
وهكذا لم تفرّق النكبة الفلسطيني عن وطنه فحسب، بل فرّقت الفلسطينيين أنفسهم. عائلات بقي قسم منها في أرضه، وانتقل قسم آخر إلى مدينة أو قرية فلسطينية أخرى، بينما انتهى قسم ثالث في مخيم خارج فلسطين. وفي كثير من الحالات، لم تكن المسافة بين هؤلاء مجرد كيلومترات، بل كانت حدودًا أغلقت خلفها أبوابًا، وغيّرت شكل الحياة، وحالت سنوات طويلة دون لقاء أفراد العائلة الواحدة.
ولعل العائلة الفلسطينية هي أكثر ما يكشف حجم هذه الحكاية. قد يكون العم في الداخل، والخال في لبنان، والجد قد خرج من قريته، بينما ولد الحفيد في مخيم أو مدينة بعيدة. وقد تمر سنوات طويلة دون أن يجتمع أفراد العائلة تحت سقف واحد، لكن اسم القرية يبقى حاضرًا في الأحاديث، وتبقى الحكاية تنتقل من الجد إلى الأب، ومن الأب إلى الابن.
هناك عائلات فلسطينية توزعت بين أراضي ١٩٤٨ والقدس والضفة وغزة ولبنان وسوريا والأردن، وربما امتدت فروعها إلى أماكن أبعد. ومع ذلك، عندما يُسأل أحد أفرادها عن أصله، لا يحتاج إلى كثير من التفكير. يعرف اسم القرية أو المدينة التي جاء منها أهله، ويعرف اسم الجد الذي تركها، وربما يحتفظ بصورة قديمة، أو مفتاح، أو وثيقة بقيت من البيت الأول.
قد يولد الحفيد بعيدًا عن فلسطين، ولا يعرف الطريق إلى بيت جده، لكنه يعرف اسم البلدة. يعرف أن هناك مكانًا بدأ منه تاريخ عائلته. وربما لم يرَ ذلك المكان يومًا، لكنه سمع عنه بما يكفي ليشعر أنه جزء من حكايته.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الفلسطينية. فالذي بقي في أرضه لم يصبح أكثر فلسطينية لأنه بقي، والذي أُجبر على الرحيل لم يصبح أقل فلسطينية لأنه غادر. الفرق أن أحدهما بقي قريبًا من المكان، بينما اضطر الآخر إلى حمل المكان معه.
الفلسطينيون الذين بقوا في أراضي ١٩٤٨ عاشوا النكبة من موقع مختلف. بقوا في أرضهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد، وتعرضت الأرض والهوية والذاكرة لتحولات وضغوط كبيرة. ومع ذلك، بقي حضورهم الفلسطيني قائمًا، وبقيت علاقتهم بالأرض والعائلة واللغة والذاكرة جزءًا من حياتهم.
أما الذين لجأوا إلى القدس والضفة وغزة، فقد حملوا معهم حكايات القرى والمدن التي خرجوا منها، ووجدوا أنفسهم في أماكن أخرى داخل فلسطين، بينما اتجه آخرون إلى مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن وغيرها. وهكذا أصبح الفلسطيني يعيش أحيانًا على بعد كيلومترات من أرضه، وأحيانًا على بعد حدود ودول، لكن المسافة لم تكن يومًا معيارًا للانتماء.
فاللاجئ في المخيم ليس غريبًا عن فلسطين لأنه يعيش خارجها، كما أن الفلسطيني الذي بقي في أرضه ليس شعبًا منفصلًا عن ذلك اللاجئ. كلاهما خرج من الحكاية نفسها، وإن عاش كل واحد فصلًا مختلفًا منها.
ولذلك، عندما نتحدث عن “الداخل والشتات”، ربما نحتاج إلى أن نتوقف قليلًا أمام هذه العبارة. فالداخل والشتات وصفان للجغرافيا والظروف التي فرضتها النكبة، وليسا وصفين لشعبين. الفلسطينيون في الداخل والقدس والضفة وغزة والشتات هم أبناء شعب واحد، حتى وإن اختلفت أماكن إقامتهم وتجاربهم اليومية. وما يؤكد ذلك أكثر من أي خطاب سياسي هو العائلة نفسها.
عمّ يعيش في الداخل، وخال في لبنان، وجد عاش بقية عمره في مخيم، وحفيد ولد في غزة أو الضفة، وابن عم ربما يعيش في الأردن أو سوريا. وحين يجتمعون، لا يحتاج أحدهم إلى أن يعرّف نفسه للآخر من جديد. تجمعهم أسماء الآباء والأجداد، وتجمعهم القرية، وتجمعهم ذاكرة لم تصنعها الحدود.
قد تكون النكبة قد فرّقت الأخ عن أخيه، والعم عن ابن أخيه، والجد عن حفيده، لكنها لم تستطع أن تقطع شجرة العائلة من جذورها.
ولهذا فإن فلسطين ليست فقط المكان الذي بقي فيه بعض الفلسطينيين، وليست فقط الوطن الذي يتذكره من أُجبروا على مغادرته. فلسطين هي الرابط الذي ظل قائمًا بين الجميع؛ بين من بقي، ومن لجأ إلى القدس أو الضفة أو غزة، ومن حمل مفتاح بيته إلى مخيم في لبنان أو سوريا أو الأردن، وبين أجيال ولدت بعد النكبة لكنها ورثت فلسطين كما ورثت اسم العائلة.
ربما تغيرت أسماء الأماكن والحدود، وربما كبرت المسافات حتى أصبح اللقاء بين أفراد العائلة حلمًا، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: تغيّرت أماكن الفلسطينيين، ولم يتغيّر أصلهم.
تفرّقت البيوت، ولم تتفرّق العائلة في الذاكرة. تعددت أماكن اللجوء، وبقي الوطن واحدًا. من بقي في أرضه، ومن لجأ إلى القدس أو الضفة أو غزة، ومن حمل مفتاح بيته إلى لبنان أو سوريا أو الأردن وسائر أماكن الشتات؛ جميعهم أبناء حكاية واحدة.
لأن النكبة فرّقت الفلسطينيين في الجغرافيا، لكنها لم تستطع أن تفصلهم عن فلسطين.