الفلاح الذي خدع نابوليون / المحامي الاستاذ عبدالله الحموي
الفلاح الذي خدع نابوليون l المحامي الاستاذ عبدالله الحموي
عام 1812 وأثناء حملة “نابوليون بونابرت” على “روسيا” اعتمد الروس تكتيك حرب العصابات متجنبين الدخول في معارك حاسمة مع جيش قوامه 680000 جندي أقل من نصفهم فرنسيين . فلجاؤا الى حيلة لم تعرفها حروب ذاك الزمان الا وهي سياسة “الأرض المحروقة” التي تقوم على حرق المدن والقُرى قبل أي انسحاب . ذُهِلَ الفرنسيون بحجم الدمار الذي ألحقه الروس بممتلكاتهم ومحاصيلهم لمنع العدو من الإفادة منها, لا سيما بأن خطة الغزاة استندت في جانبٍ منها على إمداد جيوش الغزو من غنائم المؤن والغلال .
عدو آخر لم يكن بالحسبان إلا عند أصحاب الأرض, ويتمثل بشتاء قارس لم يألفه أو يتحسب له الفرنسيون . ففاقت معاناتهم معاناة عمليات كرٍ وفَر لجأ اليها متطوعةٌ من الفلاحين الروس بُغية إنهاك جنود الاحتلال والتي لعبت, إضافة الى نقص الإمدادات والصقيع, دوراً بارزاً في زعزعة صفوف ومعنويات جيش الامبراطور.
أسير روسي في مقتبل الشباب, مدفوعاً بِمَشاعر المُواطَنَة تِجاه بلده “روسيا الأم”, وبعد وقوفه على حجم معاناة جيش “نابوليون” من النقص في المواد الغذائية هَداهُ المَكر الى فِكرة تُعَدُ بِحق نوعاً من المقاومة يَعجَزُ عنهُ دُهاة السياسة والحرب. طلب مقابلة الإمبراطور زاعماً بأن لديه معلومات قَيِمَة تَساهِم في تَزويد الجيش الفرنسي بالمؤن عبر إرشاد قائدهم الى مكان يَجمَعُ فِيه الفلاحون غِلالَ أراضيهم. إنطلت الحيلة على الإمبراطور الذي لم يترك له إقتراب الجوع خياراً , فلم يتوانى عن إرسال فرقة خيالة قوامُها ثمانمئة مقاتِل اصطحبت الأسير “إيفان سيسونوف” سعياً للهدف المنشود. لكن “سيسونوف” الموعود بالحرية اختار الموت في سبيل حرية بلاده, فعمد الى تضليل فرقة الخيالة وزَجِها في غابة جليدية كان يَعرِفُ مَجاهِلَها وَحدَه فحول الأخيرة الى مقبرة له ومن معه موقعاً هزيمة مدوية بالجيش الفرنسي دون إطلاق رصاصة أو رفع سيف, وهزيمة أكبر بقائدٍ عسكري خَلَدَهُ التاريخ دون أن يأتي على ذِكر الفلاح البسيط الذي استطاع خداع الإمبرطور. التاريخ حدث ومؤرخ , وإذا كانت الأحداث لا تَكذِب فإن بعض المؤرخين يفعل أقله بِحَجبِ بعض الوقائِع. فوأسفاً على تاريخٍ يَخُطُهُ الأقوِياء .