على ذمة لوموند Le Mondeالفرنسية لبنان من سويسرا الشرق الى افغانستان جديدة؟ الانهيار الاقتصادي للطبقة الوسطى في لبنان.. اعداد بنيامين بارت ولور اسطفان ترجمة مجلة الشراع
على ذمة لوموند Le Mondeالفرنسية لبنان من سويسرا الشرق الى افغانستان جديدة؟ الانهيار الاقتصادي للطبقة الوسطى في لبنان.. اعداد بنيامين بارت ولور اسطفان
ترجمة مجلة الشراع
مجلة الشراع 18 تموز 2020
Le Monde الضغط هنا لقراءة التقرير من المصدر بالفرنسية عن جريدة لوموند
نشرت جريدة لوموند الفرنسية الرصينة مقالا للكاتب المتخصص بشوؤن الشرق الاوسط والمقيم في لبنان بنيامين بارت ومعه الصحافية لور اسطفان تقريراً مفصلاً عن الواقع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي في لبنان تنشر الشـــراع اليوم المقال كاملاً باللغة العربية (اعداد قسم الترجمة في الشراع ).
الكاتب بنيامين بارت هو كاتب فرنسي جاء الى لبنان ليمضي فترة خدمته الإجتماعية وقد تخصص بشؤون الشرق الاوسط فكان مراسلاً للاهرام العربي الاسبوعية ثم عمل في الصحافة الفرنسية المختلفة حيث كتب للاومانيتيه الشيوعية ولوكروا المسيحية والاوبزرفاتور والاكسبرس المستقلتان واستقر في لبنان مراسلا للوموند LE MONDE منذ العام 2014
يتطرق بارت واسطفان الى الآثار الإجتماعية الكارثية للأزمة الاقتصادية التي يعرفها لبنان التي ادت الى تدهور القوة الشرائية لكافة اللبنانيين على إختلاف طبقاتهم الإجتماعية والتي ادت الى انتشار البؤس والجوع
والآثار على كافة الأصعدة ، بما في ذلك الطبقة الوسطى العليا اي اساتذة الجامعات والمحامين والأطباء وحتى التجار..
الى المقال:
في احد المخازن الكبرى “فهد” في فرن الشباك، احد احياء الطبقة الوسطى المسيحية، التقينا “غلوريا” و هي امرة في الستين من عمرها تلبي احتياجاتها بفضل مدخرات زوجها المهندس الذي توفي منذ سنوات. تشتكي هذه السيدة من أن شراء الحاجات الأساسية أصبح يشكل بالنسبة لها هاجساً يومياً:
“نحن كلبنانيين كنا معتادين على مستوى معين من الرفاهية، أما اليوم و بسبب الأزمة فإنه لم يعد بإمكاننا شراء ما نريد.”
و تتابع بحزن ظاهر:
“أن سويسرا الشرق وهو الاسم الذي اعتدنا أن ونطلقه على بلدنا، ستصبح أفغانستان جديدة.”
و بالفعل فإن الأزمة الاقتصادية التي شهدها لبنان منذ الربيع الماضي أدت إلى انهيار سريع للقدرة الشرائية لكافة المواطنين. واللبنانيون الذين حرموا من حقهم في سحب ودائعهم المصرفية بالدولار منذ خريف العام الماضي، أصبحوا منذ شهر حزيران الفائت عرضة لآفة إضافية سببها الانهيار السريع لسعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار. فقد كان سعر صرف الدولار رسمياً ألف و خمسمائة ليرة، أما اليوم فهو يتراوح ما بين 7.500 و 9.500 ليرة للدولار الواحد. هذا التدهور في سعر صرف العملة الوطنية أدى إلى ارتفاع فاحش في أسعار المواد الغذائية الأساسية التي تضاعفت حوالي ثلاث مرات خلال فترة قصيرة. وعلى سبيل المثال فإن سعر كيلو لحم البقر الذي كان يساوي ثمانية عشر ألف ليرة قبل الأزمة أصبح الآن يتجاوز الخمسين ألف ليرة.
هذه الكارثة المزدوجة المتمثلة بانهيار سعر صرف العملة الوطنية و ارتفاع الأسعار الجنوني للسلع الأساسية هي بصدد إحداث تغيير كبير في التركيبة الاقتصادية – الاجتماعية في لبنان.
فهذا البلد الذي جرت العادة على تصنيفه في فئة البلدان ذات متوسط الدخل الفردي المرتفع أصبح يصنف الآن بين الدول ذات متوسط الدخل الفردي المنخفض. و بالفعل بسبب إنهيار سعر صرف الليرة اللبنانية انخفض الحد الأدنى للأجور ( 675.000ل.ل) من 450$ دولار سابقاً الى 67$ دولار حالياً، و هو معدل الحد الأدنى للأجور في … أفغانستان.
و اذا كانت نتائج هذا التدهور قد أصابت كافة شرائح المجتمع اللبناني، الا أن تأثيرها يبرز بصورة خاصة بين صفوف الطبقة الوسطى،عماد البلد، التي وجدت نفسها ضحية عملية افقار صاعقة بقول السيد طلال سلمان (82 عاماً) المدير السابق لجريدة السفير التي توقفت عن الصدور و “ذاكرة لبنان”: خلال الحرب الأهلية ( 1975 – 1990) كان المال متوفراً بغزارة لأن كل فريق من المتقاتلين كان لديه ممولين أجانب، أما اليوم فإن بلدنا يختنق، و الطبقة الوسطى في طور الزوال. إن ماضينا، رغم طابعه المأساوي، يجعلنا نأسف عليه مقارنة بما ينتظرنا.”
على أن أكثر الفئات تضرراً من هذه الأزمة هم أساتذة المدارس الخاصة، فقطاع التعليم الخاص الذي ازدهر بسبب ضعف مستوى التعليم الرسمي،هو الآن مهدد بانفجار داخلي و مئات العائلات التي اعتادت على التقشف من أجل أن توفر لأبنائها افضل تعليم ممكن، قد لا تكون قادرة مستقبلاً على تسجيل أبنائها مجدداً في المدارس التي ظلوا يرتادونها حتى اليوم. في رسالة واضحة وجهتها الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية في لبنان الى الرئيس ميشال عون، حذرت من أن 80% من مدارسها (التي تستقبل حوالي ثلثي تلامذة التعليم الخاص في لبنان) قد تصبح عرضة للإغلاق عام 2021 بسبب سوء الأوضاع المالية.
في هذا السياق يقول عالم الاجتماع اللبناني نزار حريري، أنه في فترة الأزمة فإن راتب المعلمين هو مؤشر هام للتغييرات المرتقبة. فالكثير من المعلمين حرموا من عملهم أو أنهم خسروا ما بين %50 إلى 60% من رواتبهم، كما أنهم لن يتلقوا رواتب اشهر فصل الصيف. يضاف إلى هذه التدابير التقشفية الصارمة التضخم و ارتفاع الأسعار و تدهور سعر صرف العملة الوطنية. هذا يعني أن البرجوازية المثقفة في لبنان تجد نفسها الآن ضحية للبطالة أو مرغمة على الاكتفاء بالحد الأدنى للأجور.
من الأمثلة على ذلك، هذا الاستاذ الذي يدرس في الجامعة اليسوعية، إحدى قمم التعليم العالي في لبنان، و يبلغ من العمر أربعون عاماً ، استطاع أن ينجو حتى الآن من تخفيض راتبه. و مع ذلك فإن هذا الأخير الي يبلغ حوالي 6.000.000 ليرة لبنانية، أي ما يعادل 4.000$ دولار قبل الأزمة، لم يعد يوازي اليوم أكثر من 600$ إلى 800$ دولار حسب سعر صرف الدولار.
يقول محدثنا:” في العام الماضي كنت انتمي الى الطبقة الوسطى العليا، و هي فئة من السكان كانت تسافر بالطائرة كما لو أنها تتنقل بسيارة أجرة و تسعة لتشتري آخر مبتكرات الهواتف الذكية. أما اليوم فليس لدي ما يكفي لتصليح سيارتي. إن إحدى طالباتي التي وجدت عملاً لدى منظمة غير حكومية تتقاضى راتباً شهرياً يبلغ 700$ دولار أي أكثر من راتبي تقريباً.”
إن المحظوظين القلائل الذين يتلقون رواتبهم بالعملة الأجنبية هم من القلائل عملياً الذين يسمح لهم بسحب رواتبهم بالدولار من حساباتهم المصرفية.
و هذا ما يدفع الاستاذ حريري إلى القول بأن المصعد الاجتماعي يرتفع و يهبط بسرعة كبيرة، ” إن الخادمات الاجنبيات اللواتي يتلقين أجورهن بالدولار تكسبن حالياً أكثر مما تكسبه الطبقة المتوسطة الصغرى في لبنان.”
من بين الخاسرين الجدد هناك أصحاب المهن الحرة كما هو حال “سيفاك كالابدجيان” و هو صاحب مصنع صغير لإنتاج الأحذية في برج حمود الحي الأرمني بيروت، فبسبب استحالة استيراد الجلود و النعال جراء منع التحويلات بالعملة الصعبة الذي فرضته المصارف اضطر إلى وقف إنتاجه و إلى تسريح ثلاثة أرباع الخمسة و عشرون أجيراً لديه .و لم يبق سوى العاملين في متجره. و هؤلاء ينتظرون، دون جدوى، مجئ الزبائن النادرين لتصريف البضائع المتراكمة، لأن الأسعار لم تعد بمتناول سكان المنطقة .
“نحن لا نشتري ولا ننتج ولا نبيع” يقول السيد كالابدجيان ” وإذا لم يتحسن سعر صرف الليرة اللبنانية فإن مصير كافة المتاجر هو الإغلاق “.
لمواجهة صعوبات الوضع الحالي اضطر السيد كالابدجيان و هو في الثلاثين من عمره و أب لمولودين صغيرين إلى تقليص مصروفه الشهري متخلياً عن الاستمتاع الاعتيادي بالخروج مع زوجته نهاية كل أسبوع. أما مداخيله الزهيدة حالياً فهو فهو يخصصها لشراء حفاضات و حليب الأطفال و هي بضائع مستوردة ارتفعت أسعارها بنسب كبيرة :” أفكر ببيع ما أملك من ذهب بالإضافة إلى سيارتي ” يقول صاحبنا متأففاً… “إن البذخ اللبناني و النوادي الليلية ، و السيارات الغالية الأثمان و الإستدانة لتمويل الرفاهية، كل هذا أصبح من الماضي، يجب أن نعتاد على فكرة أننا لن نعيش كما عاش اهلنا.”
الإحصائيات الرسمية تقدر عدد العاطلين عن العمل بحوالى 35% في المئة من اليد العاملة . هذه النسبة لا تعكس الواقع الحالي لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار القطاع غير الرسمي، و القطاعات النادرة التي ما زالت تسعى إلى توظيف أُجراء جدد فإنها تواجه أعداداً كبيرة من المرشحين بصورة لا سابق لها.
جورج حداد و هو مستخدم في منظمة غير حكومية للدفاع عن حقوق الإنسان تلقى مؤخراً أكثر من ألف طلب للمشاركة في دورة تدريبية، بين المرشحين هناك محامين، مهندسين، و صحافيين، فقدوا أعمالهم مؤخراً و هم على استعداد لبدء حياة جديدة عند أدنى مستويات السلّم الاجتماعي، و يأملون في أن يتم تعيينهم بعد الدورة التدريبية. ” كل واحد منّا يعرف دون شك أن هناك من فقد عمله، و الطبقة الوسطى التي يعتقد أنها مستقرة تنهار الآن كقصر من ورق.”
كنتيجة منطقية لهذا الوضع تشهد المؤسسات الخيرية غير الحكومية تدفق أعداد كبيرة من المواطنين على مقراتها و فروعها، بينهم العديد ممن ليسوا من المستفيدين عادة من خدماتها (اساتذة، سكرتيرات…) من الذين لم تعد لرواتبهم أي قيمة… “انهم الفقراء الجدد” يقول الاب غبريال خيرالله مدير المكتب الاجتماعي لليسوعيين في بيروت الذي يوزع يومياً حوالي مائتي وجبة غذائية. “هناك مدرّسة في التعليم المتوسط طلبت مني مؤخراً طرداً غذائياً، دون أن تجرؤ على النظر إلي شعوراً منها بالخجل”. هذا ما تؤكده أيضاً “هدى الغول” المسؤولة أيضاً عن مؤسسة عامل في ضاحية بيروت الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية، وعدد اللبنانيين الذين استفادوا في شهر حزيران من العلاج الطبي شبه المجاني في هذا المستوصف (الذي يقدم العلاج أيضاً للاجئين السوريين) قد تضاعف “فالكثيرون لم يعد بإمكانهم دفع مستحقات طبيب خاص.
من الأمثلة على ما سبق “نادين المير” (43 سنة) وهي محاسبة سابقة و من الوجوه الجديدة التي ترتاد حالياً مستوصف عامل. فالأزمة المالية حرمت زوجها، سائق سيارة الأجرة من نصف أجره تقريباً، و بعد أن باعت خاتم الزواج و ثريات الشقة التي تسكنها قررت اللجوء إلى مؤسسة خيرية للحصول على مساعدات غذائية و توفر لها فرصة التدرب على الحاسوب الآلي (كمبيوتر)
لا شك أن الوضع سيزداد تدهوراً مع مرور الوقت و نفاذ احتياطي الطبقة الوسطى، “أن الذي يخسر سيارته في حادثة ما ستعوض عليه شركة التأمين بما يمكنه من شراء إطار سيارة لا اكثر” يقول “بيير عيسى” المدير السابق للمنظمة غير الحكومية “قوس قزح” و الأمين العام “للكتلة الوطنية” و هو حزب معارض حالياً.
وفي النهاية،
فإن مآل هذا الموضع الذي لا نهاية قريبة له هو ازدياد عدد المرشحين للهجرة، ومن بين هؤلاء”فادي كتانة” و هو تاجر مجوهرات (31 سنة)، يمضي يومه بانتظار زبائن لا يأتون… لذا قرر الهجرة ، لا إلى دول الخليج، حيث كان قد أمضى أكثر من عام تقريباً، بل إلى أوروبا أو كندا أو الولايات المتحدة الأمريكية، اى إلى دول لا مجال بعدها للعودة إلى لبنان.