اقرأ وفكِّر ماذا كنتَ وإلى ماذا تصير؟ / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

مجلة الشراع 28 تشرين أول 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: {ولقد خلقنَا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفةً في قرارٍ مكين ثم خلقنَا النطفةَ علقةً فخلقنا العلقةَ مُضغةً فخلقنا المضغةَ عظامًا فكسونا العِظامَ لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبَارك اللهُ أحسنُ الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميِّتون ثم إنكم يوم القيامة تُبعثون} سورة المؤمنون.

لا شك أن الدَّلائل على كمَال قدرة الله تعالى كثيرة وجديرٌ بالعاقل أن يتَّعظ بما يراه من حوله وفي نفسه من عبرٍ هي أجلى من أن لا تُرى، ولو تفكَّر هذا الإنسان في أصل نشأته لوجد ما يُبهر العقولَ فحريٌ به أن يخشع ويخشى الذي خلقه وسوّاه، فقد خلق اللهُ الإنسانَ الأول وهو أبو البشر وأول الأنبياء آدم عليه السلام من سُلالة من طين، “والسُّلالة” هي المستلة أي المأخُوذة، قال السِّمعاني في “تفسيره”: “أي سُلَّ من كل تُربةٍ”. وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله تعالى خَلقَ آدمَ من قبضةٍ قَبَضَهَا (أي قبضها الملكُ بأمر الله) من جميع الأرض فجاء بنُو آدم على قَدْر الأرض منهم الأحمر والأسود والأبيض والأصفر وبين ذلك والسهلُ والحَزْن (الغليظ) والخبيث والطَّيب” رواه ابن حِبَّان. ودلَّ الحديث على أن ذرية آدم عليه السلام جاءت على أحوالٍ وألوانٍ مختلفة بسبب اختلاف هذا التراب الذي خُلق منه آدم عليه السلام، وقد روى عبد الرزاق في “تفسيره” عن ابن عبَّاسٍ قال: “خَلقَ اللهُ آدمَ من أديم الأرض” وأديم الأرض وجهها وإنما سُمِّي آدم لأجل ذلك، قاله الزَّجاج في “معاني القرآن”.

انظر ماذا كنتَ

ثم خلق اللهُ ذريةَ آدم عليه السلام من نطفة كما دلَّ على ذلك قوله تعالى:{ثم جعلناه نطفةً في قرار مكين} “والقرار” مكان الاستقرار والمراد به الرَّحم و”مكينٌ” حريزٌ حصين، ووصفه بالمكين لأنه مُكَّن لاستقرار النطفة فيه أي نطفة الرجل من رحم المرأة كما قال ابن الجوزي في “زاد المسير”. وقال الفيومي في “المصباح المنير”: “والنطفة ماء الرجل وماء المرأة” أي المني، وفي “تفسير القرطبي”: “عن الأعمش (واسمه سليمان بن مَهران من أقران الأئمة الأربعة) قال: “يُخلقُ من ماء الرجل الذي يخرج من صُلبه (ظهره والخِصيتان تابعتان للصُّلب) العظمُ والعصبُ ومن ماء المرأة الذي يخرج من ترائبها (عظام الصَّدر) الدَّمُ واللحم”.

قال تعالى:{فلينظر الإنسان مم خُلق خُلق من مآءٍ دافقٍ يخرج من بين الصُّلب والترائب} سورة الطَّارق. قال أبو حيَّان في “البحر المحيط”: “وهو (أي الماء الدَّافق) مني الرجل والمرأة لما امتزجا في الرَّحم واتَّحدا عَبَّر عنهما بماء وهو مُفرد”. فإن استقرَّ هذا المني في الرَّحم يصير بعد مدة علقةً، قال الرازي في “تفسيره”: “العلقة الدم الجامد”: وفيه أيضًا: “المضغة أي قطعة لحم كأنها مقدار ما يُمضغ” أي ما يمضغُه الآكل. ثم تصير المضغة بعد ذلك عظامًا بتخليق الله ثم تُكسى العظام لحمًا وذلك لأن اللحم يستر العظم فكان كالكسوة له ثم يجعل اللهُ بعد ذلك فيه الروحَ فيصير خلقًا آخر مغايرًا للأول إذ تصير فيه حياة وكان قبل ذلك جمادًا.

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: “حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصَّادق المصدوق إنَّ أحدكم يُجمعُ خلقُه في بطنِ أمهِ أربعين يومًا نُطفةً ثم يكون علقةً مثل ذلك ثم يكون مضغةً مثل ذلك ثم يُرسلُ الملَكُ فينفخ فيه الروح” الحديث. فدلَّ الحديث على أن الجنين تُنفخ فيه الروح أي يصير فيه حياة بعد مُضي أربعة أشهر من الحمل فلا حياة فيه قبل ذلك، ويُستفاد من الحديث أيضًا أن المني لا روح فيه قال تعالى: {وتُخرج الحي من الميِّت وتُخرج الميِّت من الحي} سورة آل عمران. قال الطبري في “تفسيره”: “فقال بعضهم: تأويل ذلك أنه يُخرج الشىء الحيَّ من النطفة الميتة (أي التي لا روح فيها) ويخرج النطفة الميتة من الشىء الحي”.

تبَارك الله

فتفكَّر أيها القارئ بعظيم قدرة الله وتأمل قوله تعالى {فتبارك الله أحسن الخالقين} “وتبارك” أي استحق التعظيم والثناء وتعالى أي تنزَّه أن يكون له شبيهٌ أي لا مثيل لله ولا شريك له. ومعنى “أحسن الخالقين” أحسنُ المقدِّرين لأن تقديره تعالى لا يُخطئ ولا يتغيَّر أما تقديرُ غيره فيجوز عليه الخطأ والتَّغيُّر، فما قَدَّره الله لا بد أن يكون على حسب مشيئته. واستعمال الخلق بمعنى التقدير سائغ في لغة العرب قال السِّمعاني في “تفسيره” “معناه أحسن المقدرين وقد ورد الخلق بمعنى التقدير قال زهير بن أبي سُلمى:

ولأنت تَفري ما خلقتَ               وبعض القوم يخلق ثم لا يَفري

قلتُ: معناه تُقدِّر وتُنفِّذ وبعضُ الناس يُقدِّرون ولا يُنفِّذون. وقد أخبر ربنا تعالى في الآيات أعلاه أن الإنسان بعد كل ذلك يصير إلى الفناء أي عند انقضاء أجله الذي كتبه الله له، ثم يُبعث يوم القيامة أي للحساب والجزاء، فالإنسان خُلق من التراب ويعود إلى التراب ويُبعث من التراب قال تعالى:{منها خلقناكم وفيها نُعيدكم ومنها نُخرجكم تارةً أخرى} سورة طه.

فمن تأمل هذا ونظر نظرة منصفٍ في تلك الأطوار التي يتقلَّب فيها في بطن أمه وأنه إذا خرج إلى الدنيا عاش أمدًا محدودًا ثم صار إلى التراب وجد فيه دليلًا على كمال قدرة الله وأن الذي خلق الأنسانَ أول مرةٍ قادرٌ على بعثه بعد الموت، ففي “تفسير السِّمعاني” وغيره: “أن أُبيَّ بنَ خَلفٍ أخذ عظمًا باليًا ففتَّته بين أصابعه وقال للنبي: يا محمد أتزعم أن هذا يحيى ويُبعث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم وإن الله يُميتُك ثم يَبعَثُك فأنزل اللهُ فيه:{أولم ير الإنسانُ أنَّا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين وضَرَب لنا مثلًا ونسي خلقَه قال من يُحى العظامَ وهي رميم قل يُحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم} سورة يس. “والخصيم” المخَاصم وقد كان هذا أُبيٌ خصيمًا أي عدوًا لله ورسوله، فقد ترك هذا الخصيمُ النظرَ في بدء خلقه والأطوار التي مرَّ فيها وجاء يُجادل في إحياء العظام ومن تفكَّر بعين البصيرة في أصل نشأته علم أن الله قادرٌ على بعث الأجساد بعد الموت.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

مجلة الشراع