العلوم والآداب والأخلاق عند العرب قبل الإسلام / بقلم عبد الهادي محيسن/ الشراع
126
العلوم والآداب والأخلاق عند العرب قبل الإسلام / بقلم عبد الهادي محيسن
مجلة الشراع 20 حزيران 2021
العرب من الشعوب التي عرفت الكتابة ومارستها قبل الإسلام بوقت طويل ، بل عرفوا الكتابة قبل الميلاد ببضع مئات من السنين فقد كان بينهم من يحسن القراءة والكتابة ، إلا أن السواد الأعظم منهم كان يجهل الكتابة والقراءة قبل الإسلام فلم يكن العرب يعنون بتعليم أطفالهم الكتابة والقراءة ، إنما كان الرجل منهم يشعر بالحاجة الى ذلك فيتعلمها فكان منهم من يقرأ ويكتب بلهجة قريش التي دّون الوحي بها .
كما كان منهم من يقرأ ويكتب بالقلم المسند أو قلم حمير وكان بينهم من يقرأ ويكتب بقلم النبط وبقلم بني إرم وكان بينهم من يقرأ ويكتب بقلمين أو أكثر منهم ورقة بن نوفل الذي كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرانية لغة التوراة ، وقد كان للديانتين اليهودية والنصرانية فضل كبير على أهلها في نشر الكتابة والعلوم بينهم ، إذ صارت معابدهم مدارس يتعلم فيها الناس أصول ديانتهم ومبادئ المعرفة والكتابة والقراءة لمن يرغب من الأطفال .
ولم يحل عدم انتشار التعليم في بلاد العرب في الجاهلية دون قيام نهضة أدبية في خلال ذلك العصر ، وليس أدل على تلك النهضة من ازدهار الشعر الذي يكوّن صورة صادقة لنواحي الحياة ، ولا يغيب عن الأذهان ما كان لاجتماع الشعراء في مكة وفي سوق عكاظ من أثر في حياة العرب الأدبية .
وقد كان عند العرب أطباء عالجوا المرضى بالسحر والأدعية أو بالأدوية من الأعشاب التي أخذوها عمن سبقهم ومن تجاربهم الخاصة ، وقد شاع استعمالهم الكي والبتر والفصد والحجامة كما اشتغلت النساء بالمعالجة والتطبيب أيضا فكان الجاهليون يستعينون بالنساء لتمريض جرحاهم في غزوهم وغاراتهم .
أما العلوم التي حذقها العرب بحكم البيئة التي نشأوا فيها وطبيعة البلاد التي درجوا على أرضها فهي علم الأنواء فكانوا أصحاب عناية ودراية في تتبع الأنواء ومعرفة أوقات نزول الغيث ، واتخذ الجاهليون النجوم دليلا لهم يهتدون بها في ظلمات البر والبحر ، وكان العرب مثل غيرهم من الشعوب يلجؤون الى المتفرسين في دراسة الأجرام السماوية لمعرفة الأمور الخافية عليهم من حاضر ومستقبل ، وذلك بالاستدلال عليها من ظواهر الكواكب والنجوم والكهان هم المتخصصون بهذه المعرفة .
وقد مهر العرب في علم الأثر فكانت لهم دراية خاصة بمعرفة آثار الأقدام وساعدهم على ذلك الصحراء المغطاة بالرمال التي تنطبع فيها آثار الأقدام بسهولة ، كما مهر العرب بعلم الأنساب فقد كان يسكن في جزيرة العرب قبائل متعددة ومن ثم دفعتهم الحاجة الملحة الى أن يحفظوا أنسابهم ، التي يعتمدون عليها في عقد تحالفاتهم أو في شن الغارات على أعدائهم أو المنافسة على مركز الرياسة فيهم الى غير ذلك من العلوم التي تنشأ في مثل هذه البيئة .
امتاز العرب بين أمم العالم وشعوبه في العصر الجاهلي بأخلاق ومواهب تفردوا فيها كالفصاحة وقوة البيان ، وحب الحرية والفروسية والشجاعة والصراحة في القول وجودة الحفظ وقوة الذاكرة وما الى ذلك وكانت فيهم الأخلاق الفاضلة المحمودة مايروع الإنسان ويفضي الى الدهشة والعجب ومن تلك الأخلاق .
الكرم : وكانوا يتبارون فيه وقد استنفذوا نصف أشعارهم ، فقد كان الرجل يأتيه الضيف في شدة البرد والجوع وليس عنده من المال إلا ناقته التي هي حياته وحياة أسرته فتأخذه نخوة الكرم فيقوم بذبحها لضيفه .
الوفاء بالعهد : فقد كان العهد عندهم دينا يتمسكون به ويستهينون في سبيله قتل أولادهم وتخريب ديارهم ويكفي في معرف ذلك قصة وفاء هانئ بن مسعود الشيباني لودائع النعمان والتي كانت سببا في وقعة ذي قار .
عزة النفس وإباء قبول الضيم : وكان من نتائج هذا فرط الشجاعة وشدة الغيرة وسرعة الإنفعال فكانوا لا يسمعون كلمة يشتم منها رائحة الذل والهوان إلا وقاموا الى السيف والسنان وأثاروا الحروب والعوان ، وكانوا لا يبالون بالتضحية بأنفسهم في هذا السبيل .
ومن أخلاقهم أيضا الحلم والأناة والتؤدة وكانوا يُمتدحون بها ، إلا أنها كانت فيهم غريزة الوجود لفرط شجاعتهم وسرعة إقدامهم على القتال ، ومن أخلاقهم أيضا المضي بالعزائم فإذا عزموا على شيء يرون فيه المجد والافتخار لا يصرفهم عنه صارف بل كانوا يخاطرون بأنفسهم في سبيله .