القدس وكل فلسطين لنا / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
111
مجلة الشراع 17 حزيران 2021
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملَكم ورسولُه والمؤمنون وستُردُّون إلى عالم الغيب والشَّهادة فيُنبِّئكم بما كنتم تعملون} سورة التوبة.
لا ريب أن لبلاد الشام حظًا وافرًا جدًا على مدار الزمان من حركات التجاذب البشري وصراعات النفُوذ وقد احتلت هذه البلاد تلك الأهمية الكبرى نظرًا لما يمثِّله موقعها الجغرافي من صلة الوصل بين الشرق والغرب وما جعل الله في أرضها من الخيرات والبركات، لا سيما أمّ بلادِ الشام فلسطين التي تضم القدس والمسجد الأقصى فهي أرض المعراج ومهد المسيح عيسى ابن مريم وإليها هاجر نبي الله إبراهيم عليهما السلام فشرُفت بالأنبياء الكرام وبارك الله حول مسجدها كما شهد بذلك القرآن الكريم، هذا المسجد الذي زاد كثيرًا من أهمية أرض القدس بما له من قُدسيةٍ في نفوس المؤمنين وما له من أثرٍ كذلك في تاريخ الشعوب المؤمنة، إذ هو ثاني مسجدٍ بُني للناس على الأرض، فعن أبي ذرٍّ قال: قلتُ يا رسول الله أي مسجدٍ وُضع في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام. قال: قلتُ ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلتُ: كم كان بينهما. قال: أربعون سنة ثم أينما أدركتك الصَّلاة بعد فصلِّ فإن الفضل فيه” رواه البخاري. وهو في الأصل من بناء نبي الله آدم عليه السلام ولكن جدد بناءه داود وسليمان عليهما السلام.
قال الحافظ ابن الجوزي في “تاريخ بيت المقدس”: “ثم بناه داود وسليمان وزادا قبة ووسَّعاه فأضيف بناؤه إليهما” وقد كان الهدف من إنشاء المسجد الأقصى جعله محلًّا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّاه مسجدًا كما هو واضحٌ في الحديث ويشهد لذلك أيضًا قولُ الله تعالى في سورة الإسراء:{سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله} فقد سمَّاه الله تعالى مسجدًا مع أنه ليس من بناء أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وهذا يُفيد أن كل الأنبياء عليهم السلام كانوا يعبدون الله تعالى وحده وأن الذين اتَّبعوهم على الحق كانوا مسلمين مؤمنين، فمن كان متبعًا لموسى فهو مؤمنٌ موسويٌ ومن كان متَّبعًا لعيسى فهو مؤمنٌ عيسويٌ ومن اتَّبع محمدًا عليه وعليهم الصلاة والسلام فهو مؤمنٌ محمدي، ويصح القول بلا ريب أن عقيدة داود وسليمان وموسى وعيسى ومحمدٍ وسائر الأنبياء واحدة وأن دينهم واحد هو الإسلام وأن المسجد الأقصى لم يكن يومًا هيكلًا لليهود وكفى بكتاب الله وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم شاهدًا على صحة ما نقول.
فلسطين والقدس
وبالتالي فإن فلسطين ليست ملكًا تاريخيًا ولا قانونيًا بل ولن تكون ملكًا مستقبليًا إن شاء الله تعالى لأولئك اليهود الذين توافدوا إليها من شتَّى أصقاع الدنيا، ونظرًا لمنزلة فلسطين والقدس والمسجد الأقصى المبارك في نفوس المؤمنين عقد أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب العزم على فتح تلك الأرض فكان له ما أراد، وحاصرت جيوشُ الصحابة وقتها بيتَ المقدس بقيادة الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجرَّاح فطلب الرومُ الأمانَ على أن يكون المتولِّي لعقد الصلح الخليفة عمر بن الخطَّاب بنفسه فسار سيدنا عمر متسلِّحًا بالإيمان وصدق العزم وقوة اليقين وفتحها مع قلة العدد والعدة، ودليله للفتح قول الله تعالى:{يا أيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصُرْكم ويُثبِّت أقدامكم} سورة محمد. وكان يومها يلبس عباءةً فيها أربع عشرة رقعة وبذلك شهد التاريخ أن سبب النصر الأول لأمتنا تقوى الله تعالى، وكان هذا الفتح سنة خمس عشرة وقيل ست عشرة للهجرة، وبسط على أرجائها العدل، واستمرت في سلطة الدول الإسلامية التي تعاقبت على حكم البلاد من أيام الخلافة الراشدة ثم ما بعدها حتى تجدد احتلال الفرنجة للقدس عام 493 ه فقيَّض الله تعالى لتحريرها السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي سنة 583 ه وما زال الصراع على فلسطين وبيت المقدس يتجدد بين الحين والآخر والكلام في عرض الأحداث التاريخية في هذا الصدد يطول جدًا حتى شهد عام 690 ه إنهاء الاحتلال الفرنجي على أرض فلسطين على يد السلطان المملوكي الأشرف خليل بن قلاوون، وبقيام الدولة العثمانية كانت فلسطين وبيت المقدس ضمنًا في ظل حماية الدولة العثمانية التي حفظت البلاد لأهلها ولم تُفرِّط في حبة ترابٍ منها وفي عام 1315ه 1897م عُقد المؤتمر الصهيوني في مدينة بال في سويسرا بزعامة مؤسس الصهيونية هرتزل واتُفق فيه على إنشاء وطنٍ قومي لليهود في فلسطين، وحاول بعدها هرتزل تقديم الإغراءات للسلطان عبد الحميد ليُعطيهم فلسطين فرفض السلطان ذلك رفضًا شديدًا وطرد هرتزل ومنع هجرة اليهود إلى فلسطين، وكان السلطان رحمه الله سدًا منيعًا في وجه أطماع الصهيونية. ولكن بعد سقُوط الدولة العثمانية دخلت فلسطين تحت الانتداب البريطاني وكان وعد بلفُور عام 1336ه 1917م وقضت من خلاله بريطانيا بمنح فلسطين لليهود لإقامة وطن قومي لهم وسمحت ليهود الشَّتات بالهجرة إلى فلسطين. وبعد انتهاء الانتداب البريطاني أعلن اليهود قيام ما أسموه وطنهم القومي في فلسطين عام 1367ه 1948م ولاحقًا وضعت الأمم المتحدة مخطَّطًا يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية وأخرى يهودية عام 1368ه 1949م ولم يُنفذ ذلك. ولكن لم تقف أطماع اليهود عند ذلك وما زالوا يُعلنون رغبتهم بتحقيق حلمهم بقيام دولة كبرى لهم تمتد من الفُرات إلى النيل ولن يتحقق لهم ذلك بإذن الله لأن الخير والأمل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما زال قائمًا ومهما سيطر الظلام لا بد أن يندحر أمام طلائع الفجر.
وإزاء ما يجري اليوم نقول: أيها القائمون على شؤون الأمة كونوا سيف الأمة المدافع عن حقوقها فبيدكم مقاليد الأمور فكونوا عونًا للضعفاء والمظلومين ولا تخذلوا شعوبكم، وتفكَّروا في معنى الآية أعلاه فانظروا ماذا تعملون فقد آن الأوان لفعل شىءٍ وأنتم تستطيعون، فعن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المؤمن للمؤمن كالبُنيان يشُد بعضُه بعضًا، ثم شبك بين أصابعه” رواه البخاري.