هل يلاقي الرئيس السيسي الامير محمد بن سلمان في دعوته للاصلاح الديني؟/الشراع
94
مجلة الشراع 3 أيار 2021
منذ عدة سنوات طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي من شيخ الجامع الازهر تشكيل لجنة من علماء الازهر لاجراء مراجعة في كتب التراث الاسلامي بعد ان كثرت الدعوات فكرياً وثقافياً محلياً وعربياً ودولياً لتنقية هذا التراث من مسائل فقهية لا يقبلها منطق العصر ولا روح العلم ولا مقتضيات الحياة العصرية وباتت قيداً على المجتمعات الساعية للتطور والاخطر ان الجماعات الظلامية تأخذ روايات لا اجماع اسلامي حولها لتمارس الإرعاب والتكفير وتنطلق الى القتل والفتن والخروج عن المجتمعات باسم هذه الروايات، وعقد مؤتمر في قاعة جمال عبد الناصر في جامعة القاهرة لهذا الاصلاح فإذا شيخ الجامع الازهر د. احمد الطيب يتصدّى لكلمة رئيس الجامعة د. محمد الشحت الافتتاحية التي طالب فيها بمراجعة التراث فيشكل الطيب في كلمته جداراً وسوراً لمنع الاقتراب من هذا التراث الذي يضج العقل والفهم والانسانية من إغراقه في الخرافات والإساءات للدين والرسول العربي الكريم على كثرة ما نسبوا اليه مما لا يمكن للرسول ان ينطق به ولا يمكن لعقل ان يقبله..
سنوات مضت والامر الوحيد الذي فعله شيخ الجامع الازهر وتحت الحاح مفكرين ومهتمين ومراقبة المعنيين في الامر الذي سيقدم عليه د. الطيب هي انه الغى من مقررات الدراسة في ثانويات الازهر مقاطع وفتاوى تبيح اكل لحم تارك الصلاة (نعم تارك الصلاة) نيئاً، وإلغاء فتوى اكل المرتد ايضاً نيئاً وما شابه ذلك من شذوذ لا انساني ولا اخلاقي ظل منذ تأسيس جامع الازهر قبل اكثر من 1050 سنة يدرس لكل طالب من العالم الاسلامي بما فيه من بلاد عربية ومنها كبراها مصر!
نعم حذفت بعض الفتاوى الغريبة من المقرر لكن الادهى انها لم تلغ من المنهج البحثي، اي ان كل دارس اراد الاستعانة بمصدر لدعم رأي او تعزيزه بفتوى سيجد هذا الشذوذ قائماً لا يتغير ولا يتبدل ، اي ان الالغاء من المقرر هو تحايل شرعي لبقاء الكوارث في المصادر المناهج..
وعندما تحدث مفكرون مستنيرون مع الشيخ احمد الطيب عن هذا التحايل قال ما هو اعجب وهو انه بالعافية حتى استطاع إلغاء هذا الشذوذ من المقرر لأن هناك داخل الازهر من هدد بعصيان وإسقاطات تصل الى حد تكفير الامام الاكبر اذا الغى هذه الغرائب من المناهج ..
هذا مدخل لنتابع الربط المنهجي بين مسعى الرئيس عبد الفتاح السيسي للاصلاح في التراث وبين دعوة ولي عهد المملكة العربية السعوديةللإصلاح نفسه …
نعم كانت مؤسسة الازهر عبر الزمان اكثر اعتدالاً من الوهابية كفكر ديني متزمت منغلق منسجم مع الطبيعة الصحراوية القاسية الجرداء.. ومع رجال دين اعتبروا انفسهم حراس الدين على مر القرون منذ انتهت مرحلة نزول الوحي ووفاة النبي العربي محمد…
لكن مصر ظلت عرضة لهجمات هذا التزمت الوهابي حتى سادت ثقافته في مصر نفسها وباتت اجيال مصرية شابة تلجأ الى مشايخ سلفيين مصريين درسوا في السعودية او رجال دين سعوديين لاخذ الفتاوى منهم من دون مشايخ الازهر ..
والمفارقة الاعجب،
انه في الوقت الذي تندفع فيه اجيال سعوديةشابة نحو قراءات وسلوكيات معتدلة في الدين تجد ان ثقافة التدين الوهابي تتغلغل في المجتمع المصري بطريقة تكاد تلتهم بنيرانها اجيال التنوير الفكري والثقافي المصري الذين تربوا على ايدي كبار المستنيرين المصريين الذين ربوا اجيالاً عربية من المحيط الى الخليج منذ بداية القرن العشرين وحتى الامس القريب… حتى ان القول بأن هجرة عشرات ملايين المصريين للعمل في دول الخليج العربي منذ بداية انفتاح السادات السداح مداح وعودتهم الى مصرعلى مراحل كما ذهابهم
نقل ثقافة الخليج وبالتحديد الوهابية المتزمتة وبالتحديد الوهابية الى ارض الكنانة فساد التشدد وتراجع الاعتدال
ومع هذا
في الوقت الذي يخوض الامير محمد بن سلمان معركة لفرض اعتدال ديني في المملكة يزداد التوجه نحو تديين كل امر في مصر!
لقد كتبنا سابقاً،
ان المصريين بقيادة السيسي هزموا الاخوان المسلمين في السياسة..
لكن الاخوان المسلمين سيطروا على المجتمع المصري بفرض ثقافتهم الدينية التي تتغلغل بسلاسة ومن دون اي مقاومة بما ينذر بقدرتهم على استعادة المبادرة طالما انهم قادرون على الزرع في ارض خصبة جداً هي وجدان المصري الديني وفق مقياس يعتبر المصريين اكثر شعوب الارض تديناً منذ آلاف السنين
ونحن في الوقت الذي نقول فيه للسيسي اعانك الله عندما تبدأ مرحلة التنوير المطلوبة بإلحاح.. والرئيس نفسه عانى ويعاني مع شيخ الجامع الازهر حتى انه خاطبه في قاعة احتفالات وامام الملايين عبر النقل الفضائي بقوله:
ربنا يكون في عونا على الامام الاكبر “
نرجو من الامير محمد بن سلمان ان يقرأ هذه الرواية عن سعوديين من بريدة في القصيم جلسا يقيمان ايمان المسلمين في العالم فقال احدهما للآخر:
اتعلم ياشيخ عبد العزيز ان المسلمين في بلاد المغرب غرباً واندونيسيا شرقاً ليسوا ملمين بأصول الدين مثلنا؟
فوافقه هذا ليضيف؛
اتعلم يا شيخ عبد الله ان الاسلام في بلاد افريقيا ايضاً ليس على الاصول التي نعرفها!
عاد عبد الله ليقول:
واسلام مصر ليس عميقاً مثل اسلامنا!
فيضيف الآخر:
ولا اسلام اليمن …
يوافق الشيخ رأي زميله ويضيف:
واسلام اهل الحجاز يحتاج الى شدة
ليتابع زميله الموافقة فيقول:
وكذلك اسلام اهل القطيف ..
اما اسلام اهل نجد فهو الانسب لكن اسلام اهل بريدة هو الصحيح والأسلم!!
نكتب هذا ونحن نقول اعانك الله يا ابو سلمان على تنفيذ رغبتك في الاصلاح الديني وانت تواجه تشدداً متوارثاً كان يوافق اكثر علمائه تشدداً وهو مؤمن حتى النخاع ان الارض مسطحة ومات على هذا القول
نحن نعلم صعوبة محاولة التنوير في الفكر الديني المسيطر..
ونحن نعتبره مشوهاً لارادة رب العالمين في الرحمة وقد احاله فقهاء نسبوا زوراً الى الرسول العربي الذي تلقى وحي الله احاديث التشدد والقسوة حتى القتل والتكفير وروجوا له حتى شكلوا ثقافة اعتنقها الظلاميون ليقوموا بكل هذه الجرائم التي يرتكبونها باسم الاسلام وهي افتراءات فقهاء ومفسرين لا ترى منهم عربياً واحداً بل هم من امم وشعوب وقبائل غير عربية اعتنقت الاسلام وما عرفت العربية فإحتاجت مفسرين لشرح ايات القرآن الكريم ومن هنا بدا ت معاناة العرب مع هؤلاء المفسرين والفقهاء
خلاصة القول
اننا نعتقد ان احداً من المؤسسات الدينية الرسمية في مصر او السعودية او المغرب او اندونيسيا لا يؤتمن على الاصلاح المنشود لأن هؤلاء جميعاً تعلموا وتتلمذوا ثم علموا لتلاميذهم الذين اصبحوا رجال دين يدرسون ويتتلمذ على ايديهم الاف مؤلفة من رجال الدين على اصلاح ما تعلموه ويعلمون!
هناك رجال فكر مستنيرون مستقلون في كل بلاد المسلمين وهم متدينون مؤمنون من غير عمة او جبة او جلباب يعرفون اللغة العربية جيداً ويفهمون معاني القرآن الكريم بعضهم خرج الى العالم يشرح القرآن الكريم شرحاً مقنعاً كافياً كي يقتنع المؤمن في ان يرى كل ما يحتاجه في كلام الله سبحانه وتعالى ..
عودوا الى كتب المفكر الاسلامي الراحل محمد شحرور رحمه الله والى مقابلاته في المحطات الفضائية المصرية وفي تلفزيون ابو ظبي ومحاضراته وهي متوافرة لمن يريد المعرفة
وها هو المستشار احمد عبدو ماهر المفكر المصري الذي تلاحقه دعاوى الازهر العاجز عن محاورته فيرميه بالدعاوى والاستدعاءات لإشغاله وارهاقه بعد ان كشف الكثير من فتاوى التكفير المعادية للدين ولدعوة الله سبحانه وتعالى لأعمال العقل والتفكير
وفي المغرب هناك رشيد ايلال الذي يسجل يومياً تدبيراً لآيات القرآن الكريم خارج التزمت المتداول
وفي لبنان هناك د. غسان سكرية الذي حاربه البعض لأنه رفض تزمته وعبادة هذا البعض للتراث المجافي للمنطق والعقل وهو من المجتهدين والضالعين باللغة العربية لفهم اكيد لآيات القرآن الكريم
وفي النهاية،
فإن السلطة التي لدى الرئيس السيسي والامير محمد بن سلمان تعطيهم القدرة على ادخال الاصلاح المنشود خدمة للاسلام والمسلمين والبشرية وما وصف الله نفسه بأنه رب العالمين