دونالد ترامب قَدِم متعجرفاً وغادر ذليلاً / بقلم السيد صادق الموسوي/ الشراع
دونالد ترامب قَدِم متعجرفاً وغادر ذليلاً / بقلم السيد صادق الموسوي
مجلة الشراع 8 تشرين الثاني 2020
من يتذكر كيف كان تصرف دونالد ترامب قبل ٤ سنوات لما فاز في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، وكيف صار يتكلم عن أسلافه وبالأخص باراك أوباما، وكيف انقضّ على كل مشاريعه الداخلية يُلغيها واحدة تلو أخرى، ويعلن يومياً الخروج عن المعاهدات الدولية والإتفاقيات الخارجية غير مبالٍ بردود الفعل على سلوكه مستنداً إلى الترسانة العسكرية الأمريكية وإلى حق النقض في مجلس الأمن الدولي وإلى الإلتزام الإقتصادي العالمي في التعامل بالعملة الأمريكية ( الدولار )، وحتى أنه اصطدم بالمنظمات الدولية غير السياسية التي لم تتواءم مع رغباته ولم تتوافق مع مواقفه المزاجية.
كشف ترامب وجه أمريكا القبيح أمام العالمين وجعل أكثر المندهشين بالحضارة الغربية لا يقدرون على تبرير سلوك دونالد ترامب، بل ضاق به ذرعاً أقرب جيرانه ككندا وأعز حلفائه في أوروبا يعني رئيس الوزراء البريطاني جونسون، لكن مع الأسف الشديد فإن البعض في المنطقة اختار الإستسلام لرغباته والإستجابة لطلباته والرضوخ لابتزازاته رغم أنه لم يُراعِ أبسط قواعد اللباقة في التعامل معهم حيث وصفهم تارة بـ ” البقرة الحلوب ” وكرر مرات بأن حكام المنطقة من دون الحماية العسكرية الأمريكية لهم ولعروشهم لا يجدون الوقت الكافي للوصول إلى طائراتهم للفرار من بلادهم، وكم مرة طالب بكل صراحة بدفع المال الكثير مقابل تلك الحماية.
وفي هذا المجال كان مشهوداً لكل مراقب أن وتيرة التخويف من الجمهورية الإسلامية كانت ترتفع كلما أراد ترامب ابتزاز دول الخليج عموماً والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، وبمجرد تسلمه المال المطلوب تتوقف عمليات التخويف في تصريحات الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته..
لكن الرئيس ترامب كان واضحاً على الدوام بأنه يريد بأي ثمن الاقتراب من الجمهورية الإسلامية في إيران، وحتى أنه خرج من الإتفاق النووي بغية إجبار إيران على التحاور معه شخصياً، لأنه لو استمر الإتفاق المُبرم في عهد أوباما فلا حاجة لإيران عندئذ للتواصل مع إدارة ترامب، ولما لم تنجح تلك الخطوة في الوصول إلى أهدافها فإنه عمد إلى العقوبات متدرجاً وهو يقول أن الهدف منها هو دفع إيران إلى القبول بالتحاور معه، وفي الوقت نفسه كان يوسّط القريبين والبعيدين لعل المسؤولين الإيرانيين على أي مستوى يوافقون على مجرد اللقاء معه ولو عابراً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك أو أثناء دعوة الأمين العام للمنظمة اعضاء الوفود لتناول العشاء..
وأخيراً أعلن أنه ترك رقم هاتفه الخاص لدى الإيرانيين وهو ينتظر بفارغ الصبر أي إتصال من أي مسؤول إيراني، لكن كل تلك المحاولات على أنواعها فشلت في ليّ الذراع الإيراني، وهو أقدم على اغتيال الفريق قاسم سليماني قائد لواء القدس الذي كان في زيارة رسمية للعراق بعد خروجه من مطار بغداد وبرفقته ممثل رئيس الوزراء العراقي الذي استقبله بصورة رسمية في قاعة الشرف، من دون أن يعبأ باحترام السيادة العراقية أو يراعي أبسط القواعد الدولية..
كل ذلك لأن الإيرانيين لم يتجاوبوا مع محاولاته الكثيرة السابقة للتحاور، لكن الرد الإيراني جاء عبر القصف المدمر للقاعدة العسكرية الأمريكية الكبرى في العراق ” عين الأسد ” والإستعداد لتوجيه آلاف الصواريخ دفعة واحدة على مجموعة القواعد الأمريكية بالمنطقة في حال قامت أمريكا بأي خطوة ردّاً على قصف قاعدتها، وهذا ما دفع ترامب على الكذب على شعبه والإدعاء أولاً بأن القصف الإيراني لم يؤدّ إلى أية إصابات وأن الأضرار المادية طفيفة جداً لا تستحق الدخول في مواجهة مع إيران، لكن مع مرور الأيام رأى العالم حجم الدمار الكبير وبدأ الإعتراف الأمريكي بالتقسيط عن عدد الإصابات الكبير في صفوف الضباط والجنود الأمريكيين في القاعدة.
وها هي السنوات الـ ٤ انقضت كاملة..
وهاهو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يغادر البيت الأبيض وفي قلبه حسرة اللقاء مع أي مسؤول إيراني، أو سماع صوت أحد من طرف العاصمة الإيرانية يطلب التحدث معه على هاتفه الخاص..
ولم تؤدّ كل العقوبات التي لم يسبق مثلها في التاريخ حسب تصريحات ترامب وبومبيو إلى سقوط النظام الإيراني أو حتى تضعضع أركانه..
والعالم نفسه يرى هذه على شاشات التلفاز حالة الذل التي يعيشها الرئيس الأمريكي أمام شعبه والذي بتصرفاته الرعناء أحيا التمييز العنصري البغيض في البلاد..
وزرع بذور الفتنة بين فئات الشعب..
وكادت الحرب الأهلية تندلع في الولايات والمدن، فمظاهر البهجة عمّت الولايات والمدن احتفاءً بالتخلص من دونالد ترامب..
وسالت دموع الفرح من عيون كثيرين ذاقوا الويلات جرّاء تصرفاته..
وعلى صعيد الخارج نرى تهاطل زعماء دول العالم على إرسال برقيات التهنئة لجو بايدن في حين لا يزال يصرّ الرئيس الحالي ترامب على أنه هو الفائز في الإنتخابات ولا يقرّ بانتهاء العملية الإنتخابية، بل يحضّر فريقاً قانونياً للطعن بصحة عدد كبير من الآراء على أمل أن تنقلب النتائج لصالحه، ولم يتردد أي من زعماء العالم حتى كتابة هذه السطور في إرسال برقية التهنئة إلى الرئيس المنتخب سوى بنيامين نتنياهو رئيس الكيان الصهيوني الذي هو بدوره يواجه مظاهرات شعبية غاضبة مستمرة منذ شهور تطالب بتنحيه عن منصبه بسبب اتهام القضاء له بالفساد.
إن النتيجة التي سوف يأخذها جميع الذين راهنوا على دونالد ترامب وعقدوا كل آمالهم عليه ووضعوا كل ” البيضات ” في سلّته هي أن مئات المليارات التي بذلوها من ثروات بلادهم في سبيل كسب رضا الرئيس الأمريكي مطمئنين إلى استمرار عهده لـ ٤ سنوات قادمة قد ذهبت هباءً، وأن الذين كانوا يحضرون انفسهم لتقديم هدية ثمينة له في عهده الجديد وهو التطبيع العربي الكبير مع الكيان الصهيوني قد خاب أملهم ..
وهاهو الشعب الأمريكي يطرد ترامب من البيت الأبيض حتى قبل حلول موعد التسلم والتسليم، وهو غادر المكان فور سماعه نبأ إعلان فوز جو بايدن من وسائل الإعلام في حين احتشد الآلاف حول مقر الرئاسة الأمريكية محتفلين بفوز خصمه اللدود.
لقد كررت مراراً نصيحتي بأن لا مفرّ لقادة المنطقة وخاصة في دول الجوار من التلاقي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وأنه لا فائدة من الرهان على من هم وراء البحار ولو كانوا يملكون الأساطيل وحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات، لأن اولئك لا يهمهم سوى مصالحهم الإقتصادية الخاصة، وعندما يرون أن ما ابتزّوه من ثروات شعوب المنطقة يكفيهم ويغذي مصانعهم العسكرية في الفترة الحالية، ومن جهة أخرى يرون القوة الإيرانية المتنامية التي عجزوا عن وقفها بل حتى إضعافها رغم كل تواطؤ الغرب والعرب والصهاينة مع الأمريكيين، فإنهم حتماً سوف يغيّرون سياستهم فيتوجهون نحو الطرف القوي..
وهذا بالضبط مافعله باراك أوباما بعد فشل كافة جهود بوش الإبن طوال عهده مقابل الجمهورية الإسلامية، وجو بايدن أيضاً سيسير مضطراً على خطى رئيسه في السابق بعد فشل كافة جهود الرئيس المعتوه ترامب ونفاد كل ما كان في سلّته من الأدوات في سبيل إخضاع إيران..
وهنا يتحقق وعد الله سبحانه:
( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) صدق الله العلي العظيم.
السيد صادق الموسوي