ويصلنا من ضفاف دجلة “علم وخبر”!
| جورج علم |
احتفل العراقيون بانسحاب الجيش الأميركي، وختام مهمة “التحالف الدولي”، في 30 أيلول المنصرم. واختلفوا حول التسمية بين قائل “باسترجاع السيادة”، وآخر “بتحرير الوطن من الاحتلال”، وثالث “بالاستقلال الحديث”.
أياً يكن العنوان، فالانسحاب قد تمّ، لكن هل تحرّر العراق؟
الملاحظة الأولى: أن وجوداً عسكرياً سيبقى في نطاق محدود ومحدد للتدريب والاستشارة، وحماية السفارة الأميركية في بغداد، والقنصلية في مدينة أربيل في إقليم كردستان، وهي من أكبر القنصليات في المنطقة.
الثانية: الخشية من استغلال الفراغ من قبل جهات إقليمية كإيران، أو محلية كالخلايا النائمة لـ”داعش”، وغيرها من التنظيمات الأصولية.
أما الملاحظة الثالثة، فتتصل بالنفوذ السياسي الأميركي المستمر. انسحب العسكر، وبقي ما هو أخطر. والدليل أنه عندما أرادت الكتل الشيعية اختيار نوري المالكي رئيساً للحكومة، خرج الرئيس دونالد ترامب بتغريدة مختصرة، يقول: “إن المالكي اختيار سيئ ولن يساعد العلاقة بين البلدين”. وفهم العراقيون المغزى من ذلك، وتغيّر الاختيار إلى من يريده ترامب، لأن القيادة العراقية تيقنت أن الإصرار على خيار المالكي سيؤدي حتماً إلى انهيار اقتصادي، وانهيار العملة العراقية أمام الدولار الأميركي، والدخول في فوضى.
ويبقى السؤال: ماذا يريد ترامب من وراء الانسحاب؟ وهل بمقدور القيادة العراقية أن تملأ الفراغ، في الوقت الذي تخوض فيه معركة “حصر السلاح”؟
ويشمل السؤال لبنان. لماذا يصرّ ترامب على انسحاب “اليونيفيل”؟ ومن يملأ الفراغ؟
المتغيّر في المشهد بين بيروت وبغداد أن السلطات العراقية تفاهمت مع واشنطن على خطة الانسحاب. هناك مفاوضات، واتفاقيات مبرمة، وضمانات، وحسابات يومية جارية. في حين أن الحكومة اللبنانية ترفض الانسحاب، وتصرّ على التمديد لقوات “اليونيفيل”، أو استبدالها بقوة أوروبية أو متعددة الجنسيات، بإشراف الأمم المتحدة، لأنها تخشى أن تملأ “إسرائيل” أي فراغ قد يحصل بإقدامها على تنفيذ خطوات وترتيبات تكرّس هيمنة الاحتلال.
والمتغيّر في المشهد أيضاً، أن الاتحاد الأوروبي لا يملك ثقلاً، ولا دوراً وازناً في قرار الانسحاب من العراق، بخلاف ما هو عليه الوضع في الجنوب.
هناك تباين جدي بين الأوروبيين والأميركيين يتمحور حول مدى الحاجة إلى وجود أمني دولي يشكل بديلاً لقوات “اليونيفيل” في حال انسحابها، حيث ترفض واشنطن أي بديل دولي، وتدفع لتسليم أمن الحدود للجيش اللبناني حصراً، في الوقت الذي تقترح فيه عواصم أوروبية تشكيل بعثة مدنية وعسكرية لمنع أي فراغ أمني، وتوثيق الخروقات.
والمثير للقلق أن الإدارة الأميركية، وبدعم إسرائيلي، أسقطت المقترحات اللبنانية الهادفة إلى تمديد مهمة “اليونيفيل”، أو إيجاد قوة دولية بديلة تحت مظلة الأمم المتحدة.
وترى واشنطن أن “اليونيفيل” أخفقت على مدار عقود في منع وجود السلاح وانتشاره. كما فشلت في ضبط الحدود. وتعتبر أن المرحلة الراهنة تتطلب إنهاء الصيغة الدولية السابقة بعدما وافق لبنان على المفاوضات المباشرة، والتوصل إلى “اتفاق الإطار”.
بالمقابل، تحذّر دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا من وقوع فراغ أمني وسياسي خطير في الجنوب في حال انسحبت قوات “اليونيفيل” من دون ترتيبات انتقالية واضحة.
ويقترح الأوروبيون إرسال بعثة، أو قوة بديلة، بتفويض مباشر من الاتحاد الأوروبي، لدعم الجيش اللبناني، وتوثيق الخروقات، وتهيئة الظروف لمنع عودة التوتر العسكري.
وكان وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قد اقترح تشكيل قوة أوروبية بتفويض من الاتحاد الأوروبي لمنع حدوث فراغ أمني بعد انسحاب “اليونيفيل”.
وسبق أن أعلن كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أن بلديهما يسعيان إلى تشكيل “ائتلاف متعدد الجنسيات” لمرحلة ما بعد انتهاء تفويض “اليونيفيل”.
وفي مقابلة مع صحيفة “دير شبيغل” الألمانية، أكد وزير الخارجية الألماني أن بلاده تسعى إلى “بلورة سياسة مشتركة مع فرنسا تجاه لبنان بهدف تعزيز فرص السلام في الشرق الأوسط”.
وكان رئيس الجمهورية جوزاف عون قد طلب في شباط الماضي من ألمانيا، التي تقود القوة البحرية لـ”اليونيفيل”، أن “تؤدي دوراً أساسياً بعد مغادرة القوة الدولية”.
وما تريده الحكومة اللبنانية هو استمرار وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة، لتجنب حصول فراغ أمني، ولتفادي تداعياته الخطيرة. في حين أن تل أبيب ترفض أي قوة دولية، وتريد ترتيبات أمنية جديدة مرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار المفاوضات، والإبقاء على قواتها في أجزاء من الجنوب. أما الولايات المتحدة، فإنها تدفع باتجاه تولّي الجيش اللبناني المسؤولية، مسؤولية أمن الحدود والمنطقة بمفرده، “الترتيبات والأطر ضمن الإطارية المعتمدة”.
ما معنى هذا الكلام؟ وإلى ما تسعى إليه الإدارة الأميركية؟
بصريح العبارة، يسعى الرئيس ترامب إلى فرض “استراتيجية أمنية لبنانية – إسرائيلية مشتركة في الجنوب، يتعاون على تنفيذها الجيشان اللبناني والإسرائيلي بإشراف ورعاية الولايات المتحدة، واحتفاظها بدور المرجعية للبتّ بأي تباين قد يحصل”.
وتهدف الإدارة الأميركية راهناً إلى إصابة هدفين برمية واحدة:
- تطوير وتفعيل دور ومهام لجنة “المكانيزم” لتتولى الإشراف على هذه الاستراتيجية، بنشر عدد من الجنود الأميركيين بمهمة رقابية ولوجستية واستشارية.
- قطع الطريق أمام الاتحاد الأوروبي، أو أي مرجعية دولية أخرى تسعى إلى التدخل في الشأن اللبناني، وتحديداً الجنوبي، لتكريس موقع لها في القرار اللبناني الوطني.
هل تنجح خطة ترامب؟
المؤسف أن الجولة المقبلة من المفاوضات ستكون مجرد حلقة في سياق المسلسل المرسوم الذي يقود إلى هذا الهدف، فيما البعض عندنا يحلم أحلاماً وردية وسط الخميلة الأميركية الباسقة بالوعود التشرينية؟!