خاص النهوض/ كتب غسّان حلواني/ تأثير موت الخامنئي في سقوط النظام الإيراني: بين السيناريوهات الممكنة والمستحيلات السياسية

ستشكل اللحظة التاريخية التي تأتي عقب مقتل آية الله علي الخامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، منعطفاً وجودياً بالغ التعقيد، ليس فقط لمستقبل هذا النظام، ولكن لمنطقة الشرق الأوسط برمتها. فبعد ما يقرب من أربعة عقود من الحكم المطلق، يطرح رحيل الخامنئي المفاجئ -في سياق ضربات عسكرية إسرائيلية أمريكية مشتركة- تساؤلات مصيرية حول إمكانية انهيار النظام أو تحوله أو حتى بقائه بشكل آخر . لكن السقوط، كما يراه كثير من المحللين، ليس حتمياً، بل يتوقف على تفاعل ثلاثي معقد:
قدرة النظام على ترميم نفسه، ورد فعل الشارع الإيراني، والبيئة الإقليمية والدولية المضطربة.

فراغ القيادة وأزمة الشرعية: هل ينهار الصرح من الداخل؟
يمثل غياب الخامنئي أكبر أزمة هيكلية يواجهها نظام ولاية الفقيه منذ تأسيسه عام 1979. فالنظام صُمم ليكون مركزياً بدرجة كبيرة، حيث يحتكر المرشد الأعلى السلطة النظرية والفعلية كقائد أعلى للقوات المسلحة، وكوصي على مشروع الثورة. وقد أشارت تقارير إلى أن استهداف الخامنئي كان ضمن أهداف عملية “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury) الأمريكية الإسرائيلية، التي وصفتها مجلة فورين أفيرز بأنها “حرب اختيار” أكثر منها حرب ضرورة، استغلت ضعف إيران بعد حرب يونيو 2025 .
الفراغ الناتج عن موت خامينئي يؤدي إلى أزمة دستوية وسياسية حادة. وفقاً للدستور الإيراني، يتولى مجلس رئاسة مؤقت مكون من الرئيس ورئيس السلطة القضائية وعضو من مجلس صيانة الدستور مهام القيادة لحين اختيار المرشد الجديد من قبل مجلس خبراء القيادة . لكن هذا السيناريو النظري يواجه عقبات عملية شبه مستحيلة في الظروف الحالية. فكيف لمجلس الخبراء -المكون من 88 رجل دين- أن ينعقد في خضم قصف عنيف، وقد يكون بعض أعضائه قد قُتلوا أو باتوا غير قادرين على الاجتماع؟ . الأهم من ذلك، أن عملية اختيار خليفة للخامنئي كانت معقدة حتى في الظروف العادية، خصوصاً بعد مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث مروحية في مايو 2024، الذي كان يُنظر إليه كأحد المرشحين المحتملين لخلافته .
ربما يبرز اسم مقتدى الخامنئي، نجل المرشد الراحل، كأحد الأسماء المطروحة لخلافة والده. لكن نقله السلطة من الأب إلى الابن يمثل مشكلة كبرى؛ فهو يشبه إنشاء “خلافة وراثية” أو “سلالة دينية جديدة”، وهو الأمر الذي يثير حفيظة حتى أنصار النظام الذين أطاحوا بالملكية البهلوية عام 1979 . ورغم علاقاته القوية بالحرس الثوري، إلا أن مقتدى ليس من كبار رجال الدين، مما يقوض شرعيته الدينية، وهي الركيزة الأساسية للنظام .
هنا تكمن المعضلة الوجودية للنظام: فإما أن يتفق القادة على شخصية توافقية بسرعة، وهو أمر صعب في خضم صراع الأجنحة بين الحرس الثوري ورجال الدين المحافظين، أو أن يدخلوا في صراع داخلي على السلطة. وإذا انشغلت النخبة الحاكمة بتصفية حساباتها الداخلية، فإن قدرتها على السيطرة على الشارع والمؤسسات تضعف بشكل كبير.
الشارع الإيراني: بين فرصة التغيير وخوف القمع
يظل العنصر الحاسم في معادلة السقوط هو الشعب الإيراني. فبمحاكاة سيناريوهات بسيطة سوف تشير التقارير الأولية إلى مشاهد متباينة داخل إيران: فهناك من سيخرج ليحتفل في الشوارع عند سماع نبأ مقتل الخامنئي، معتبراً إياه نهاية حقبة القمع، وهناك من سيصاب بالرعب من تبعات الحرب والعنف، خاصة مع تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين، كالتقريرالأولي عن قصف مدرسة للبنات في ميناب جنوب إيران .
هذا التباين سيعكس انقساماً حاداً في المجتمع الإيراني، لكنه أيضاً سيعكس حالة من الترقب. لقد شهدت إيران موجات احتجاجية متلاحقة في السنوات الأخيرة، كان آخرها في ديسمبر 2025 ويناير 2026، والتي لم تكن مجرد احتجاجات على الغلاء، بل طالت شرعية النظام نفسه، ورفعت شعارات تطالب بإسقاطه . ووفقاً لمعهد “هدسون”، فإن إخفاقات استراتيجية متراكمة -من سوء إدارة الموارد المائية إلى انهيار الاقتصاد وتضخم يصل لنسب تاريخية- جعلت النظام “غير قادر على إصلاح نفسه من الداخل” .
اللافت في هذه الاحتجاجات أن الاقتصاد كان المحرك الرئيسي لها. فبحسب تقرير لـ “فورينج أفيرز” في يناير 2026، تراجعت قيمة الريال الإيراني بنسبة 50%، وقفزت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72%، وأصبح المواطن العادي يحتاج إلى 100 عام من الادخار ليتمكن من شراء شقة متوسطة في مدينة كبرى . هذه الأرقام تعني أن القنبلة الاجتماعية كانت موقوتة، وموت الخامنئي قد يكون هو المفجر.
لكن السؤال: هل يجرؤ الإيرانيون على النزول بأعداد غفيرة في ظل وجود آلة قمع لا تزال تعمل؟ قوات الحرس الثوري والبسيج لا تزال مسيطرة على الشوارع، وقد أظهرت في الماضي استعداداً لقتل آلاف المتظاهرين للحفاظ على النظام . كما أن الخوف من الانزلاق إلى فوضى أهلية أو حرب طائفية قد يردع الكثيرين. في هذا السياق، صرح الخبير “كريم سجادبور” لمجلة “فورينج أفيرز” قائلاً: “مفارقة الثورات أنك تحتاج إلى كتلة حرجة من الناس لتبدأ، لكن الكتلة الحرجة لن تشارك ما لم تكن متأكدة من أن الثورة قابلة للنجاح… لا أحد يريد أن يُذبح” .
سيناريوهات ما بعد الخامنئي: من التصلب العسكري إلى الانهيار الشامل
إذا كان موت الخامنئي يمثل “طلقاً نارياً” في هيكل السفينة الإيرانية ، فإن مسار هذه السفينة يتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: تصلب عسكري وقمعي (نموذج كوريا الشمالية)
في هذا السيناريو، يلتئم شمل النخبة الإيرانية -خاصة في الحرس الثوري- خلف قائد جديد، ربما يكون قائداً عسكرياً وليس رجل دين. قد يتحول النظام إلى ديكتاتورية عسكرية أكثر وحشية مما هي عليه الآن، تعتمد على القمع المفرط والانغلاق، وتستخدم التهديد الخارجي كذريعة لتبرير قمعها الداخلي . وهذا يعني بقاء النظام ولكن بشكل مختلف، حيث تنتقل السلطة بشكل شبه كامل من يد رجل الدين إلى يد القائد العسكري. لكن هذا السيناريو يتطلب تماسكاً داخلياً كبيراً، وهو أمر غير مضمون.
السيناريو الثاني: الفوضى والاقتتال الداخلي
إذا فشلت النخبة في الاتفاق على خليفة، أو إذا انقسم الحرس الثوري إلى فصائل متناحرة، فإن إيران قد تشهد انهياراً في الدولة المركزية. إيران ليست كياناً متجانساً، بل هي “فسيفساء” من القوميات: عرب، أكراد، بلوش، أذرك، ولكل منهم تطلعاته.
أشارت تقارير من “نيويورك بوست” إلى أن خمس فصائل كردية شكلت جبهة موحدة ضد النظام قبل أيام من الأحداث . في غياب السلطة المركزية، قد تنفصل هذه المناطق أو تشهد حروباً أهلية محلية، وينتهي الأمر بإيران إلى التقسيم أو الدخول في صراع طويل الأمد، مثلما حدث في العراق وسوريا وليبيا .
السيناريو الثالث: السقوط والانتقال السياسي
هذا هو السيناريو الذي تأمله المعارضة والإدارة الأمريكية. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعا الإيرانيين صراحة إلى “استعادة بلدهم”، معتبراً أن اللحظة مناسبة للإطاحة بالنظام . هنا يظهر اسم رضا بهلوي، ولي العهد الإيراني في المنفى، الذي أعلن أن “الجمهورية الإسلامية قد انتهت فعلياً” بعد مقتل الخامنئي، ودعا الجيش والشرطة إلى الانشقاق عن النظام .
لكن هذا السيناريو يواجه تحديات جمة. فرضا بهلوي لم يطأ قدمه أرض إيران منذ 46 عاماً، ورغم شعبيته الرمزية بين بعض أطياف المعارضة، إلا أن قدرته التنظيمية داخل إيران شبه معدومة . كما أن المعارضة الإيرانية مشتتة للغاية؛ فهناك العلمانيون، واليساريون، والقوميون، وحتى الإسلاميون المعتدلون، ولا يوجد توافق على رؤية موحدة لما بعد النظام .
ثمة تحليل نشرته صحيفة “تشوسون إلبو” الكورية الجنوبية يشير إلى أن “تحليلات المخابرات الأمريكية ترى أن فراغ السلطة بعد الخامنئي سيتم ملؤه على الأرجح بشخصيات داخلية من الحرس الثوري أو النخبة الحالية، مما يجعل عودة بهلوي أمراً غير محتمل” .
الخلاصة: هل يبقى النظام أم يسقط؟
إن موت الخامنئي هو بلا شك أكبر صدمة يتعرض لها النظام الإيراني منذ تأسيسه. فهو يزيل الغطاء الشرعي والديني الذي كان يجمع الفصائل المتنازعة تحت مظلة واحدة. لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الشمولية نادراً ما تسقط بموت زعيمها فقط؛ فهي غالباً ما تقاتل بشراسة للبقاء. السلاح في يد الحرس الثوري، والمال لا يزال في يد المؤسسات، لكن “الروح” الثورية التي كان يمثلها الخامنئي قد انتهت.
يبقى الحسم النهائي في الشارع. إذا شعر الإيرانيون أن قبضة الأمن قد ارتخت، وأن الجيش قد ينشق، وأن المجتمع الدولي يدعمهم دون قيد أو شرط، فإن 1979 أخرى قد تتكرر، ولكن هذه المرة ضد نظام الملالي وليس ضد الشاه. أما إذا رأت الأغلبية الصامتة أن المخاطرة كبيرة جداً، فإن النظام قد ينجو من هذه الضربة القاسية، ليخرج من تحت الركام أكثر تشدداً وقمعية، لكنه سيبقى يعاني من السرطان نفسه الذي فتكت به: اقتصاد منهك، وشعب غاضب، وشرعية مفقودة إلى الأبد.
في كل الأحوال، لن تعود إيران كما كانت قبل فبراير 2026.