لقاء تقييمي لزيارة البطريرك الراعي الى طرابلس بلقاء في مكتب الدكتور أحمد الأمين مع عامر صافي رئيس اللجنة المالية في جمعية تجار طرابلس.

لقاء تقييمي لزيارة البطريرك الراعي الى طرابلس بلقاء في مكتب الدكتور أحمد الأمين مع عامر صافي رئيس اللجنة المالية في جمعية تجار طرابلس.

 

زيارة البطريرك الراعي إلى طرابلس: رسالة وطنية تتجاوز البروتوكول

شكّلت زيارة غبطة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي إلى مدينة طرابلس محطة وطنية جامعة، حملت في مضامينها أكثر من بُعدٍ روحي وسياسي واجتماعي، ورسّخت صورة طرابلس مدينة اللقاء والعيش المشترك، لا كما تُراد لها في بعض الخطابات الضيقة.

لقد اكتسبت الزيارة أهميتها الاستثنائية من كونها لم تكن مجرّد جولة بروتوكولية، بل حدثًا وطنيًا جامعًا، تُوّج بزيارة تاريخية إلى دار الفتوى، المرجعية الإسلامية العليا، بحضور دولة الرئيس السابق نجيب ميقاتي، وعدد من الوزراء والنواب، وأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ورئيس بلدية طرابلس، ورئيس اتحاد بلديات الفيحاء، إلى جانب شخصيات دينية ورسمية واجتماعية بارزة.

إن دخول البطريرك الراعي دار الفتوى في طرابلس يحمل دلالة عميقة على مستوى الشراكة الوطنية، ويؤكد أن لبنان لا يُبنى إلا بتكامل مكوّناته، وأن المرجعيات الدينية حين تلتقي، فإنها تحصّن الوطن وتمنع الانزلاق نحو الفتنة والانقسام. وقد جاءت هذه الزيارة في توقيت دقيق، ليقول من خلالها هذا اللقاء إن الحوار ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة وجودية للبنان.

أما الغداء الذي جمع فعاليات ورجالات طرابلس في نقابة المهندسين، فلم يكن تفصيلًا عابرًا في برنامج الزيارة، بل بدا وكأن اختيار المكان يحمل رسالة مدروسة بعناية، كقرارٍ هندسيٍّ لإدارة الواقع الوطني. ففي النقابة، حيث تُقاس الأمور بالميزان والدقّة، وحيث لا مكان للفوضى أو الارتجال، بدا اللقاء وكأنه دعوة إلى إعادة رسم المشهد اللبناني بعقلٍ هندسيٍّ هادئ.

هناك، حيث تُدار الزوايا ولا تُكسَر، وحيث تُحترم المثلثات والمربعات كما تُحترم الوقائع، وحيث تُراعى الحدود والتراجعات في البناء لا لفرض القيود، بل لإفساح المجال للمرور والحياة المشتركة، جاءت هذه المائدة لتقول إن الوطن أيضًا يحتاج إلى هندسةٍ متوازنة: لا إلغاء فيها ولا استعلاء، بل تنظيمٌ يحفظ لكل مكوّن مساحته، ولكل شريك حقه.

لقد حملت رمزية النقابة معنى أعمق من المكان؛ فهي رسالة بأن العيش المشترك لا يقوم على التصادم، بل على تدوير الزوايا بحكمة، وأن الحفاظ على السلم الأهلي يشبه الحفاظ على مبنى تاريخي: يمكن تطويره وترميمه، من دون المساس بروحه وتراثه وتاريخه، ومن دون أن يُهدم أساسه أو تُطمس هويته.

وهكذا، بدا اللقاء وكأنه مخطّط توجيهي للبنان الغد:

تنظيمٌ لا يقمع، حدودٌ لا تعزل، تراجعاتٌ لا تُضعف، بل تفتح الطرقات أمام الجميع، وتحفظ لكل مدينة وبيئة و«مِنى» خصوصيتها التاريخية والثقافية، ضمن مساحة وطنية واحدة.

لقد أعادت هذه الزيارة تثبيت طرابلس في موقعها الطبيعي كعاصمةٍ ثانية للوحدة الوطنية، وأكدت أن التنوع الديني في لبنان ليس سبب ضعف، بل مصدر غنى وقوة متى أُحسن إدارته. وهي رسالة واضحة لكل اللبنانيين بأن ما يجمعهم أعمق بكثير مما يفرّقهم.

في الخلاصة، لم تكن زيارة البطريرك الراعي إلى طرابلس حدثًا عابرًا، بل موقفًا وطنيًا بامتياز، أعاد الاعتبار لخطاب الشراكة، وكرّس دار الفتوى وطرابلس في غداء نقابة المهندسين مساحاتٍ جامعة، تلتقي فيها القيم الدينية مع المسؤولية الوطنية، في زمنٍ أحوج ما يكون فيه لبنان إلى مثل هذه الرسائل الجامعة.

 

أحمد الأمين و عامر صافي