حسِّن خُلقك ولا تكن ثرثارًا متشدقًا متفيهقًا / بقلم الشيخ أسامة السيد / الشراع 31 اب 2023
الشراع 31 اب 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى
قال الله تعالى في القرآن الكريم:
{يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يُصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذُنوبكم ومن يطع الله ورسُوله فقد فاز فوزًا عظيمًا} سورة الأحزاب.
وعن جابرٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إن منْ أحبِكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنَكُم أخلاقًا وإن أبغضَكم إلي وأبعدَكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدِّقُون والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون. رواه الترمذي.
كم وكم يُستفاد من هذا الحديث المبارك من فوائد عظيمةٍ جديرٌ بالواحد منا أن يعتني بها لتهذيب نفسه وحملها على بلوغ المراتب العالية والدرجات الرفيعة إذقد رغَّب النبي صلى الله عليه وسلم في خيرٍ عظيمٍ ودلَّ عليه وحذَّر من شر كبيرٍ ونفَّر منه تعليمًا وتنبيهًا لأمته فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أكثر الناس حبًّا إليه أي اتباعًا لسنته الشريفة وطريقته القويمة وأقربهم منه مجلسًايوم القيامة أي في الجنة دار الراحة والسلامة أحاسنهم أخلاقًا، فإن من تجمَّل بخُلقٍ حسنٍ حمله حُسنُ الخُلق على فعل الحسن وترك القبيح. ويتلخَّص حُسنُالخُلق في ثلاث خصالٍ هي: كفُّ الأذى عن الناس، والصبر على أذى الناس،وبذلُ المعروف مع من يعرفه ومن لا يعرفه لك.
وشأن من حسُنت أخلاقه أن يكون مقبلًا على شأنه عاملًا بما ينفعه في الآخرة تاركًا للترَّهات والفواحش نفَّاعًا لإخوانه المؤمنين، ويتفاضل المؤمنون في صفات الخير وشُعب الإيمان فبعض الصَّالحين أجلُّ من بعضٍ وإنما يتميَّز التقي الفاضل الصالح بزيادة محبةٍ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جعل الله تعالى سبيل الوصول إلى محبته أي رضاه أن يتَّبع هذا العبدُ سيدَنا محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعمل بما نصح به أمَّته. قال الله تعالى:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذُنوبكم والله غفورٌ رحيم} سورة آل عمران، وقال تعالى أيضًا:{إنْ أولياؤه إلا المتقون ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون} سورة الأنفال. قال السمعاني في “تفسيره”: “إنْ أولياؤه إلا المتقون“ يعني المؤمنين” يعني الكاملين أي الذين أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات. وروى ابن حبَّان من طريق معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن أهل بيتي هؤلاء يرون أنهم أولى الناس بي وإن أولى الناس بي المتقون من كانوا وحيث كانوا”. وبالتالي فمن كان عاملًا بما أرشد إليهالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابرٍ أعلاه كان قريبًا قربًا معنويًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النظر عن قوميته ونسبته. أضف إلى ما مرَّ ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر صفاتٍ سيكون أصحابها من أبغض الناس إليه وأبعدهم منه يوم القيامة، فإن المؤمنين العصاة يتفاوتون في الذنوب فيصيرون مبغوضين من حيث ذلك ويصير بعضهم أبغض من بعضٍباختلاف أعمالهم الفاسدة، وإنما يحب النبيُّ صلى الله عليه وسلم المؤمنين الكاملين وحبه لأحسنهم خُلقًا أشد، ويُبغض العصيان والفسوق والضلال من العباد، وبغضه لأسوئهم خلقًا أشد، والناس على أحوالٍ شتَّى في الخير والشر.قال تعالى:{فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرةٍ شرًّايره} سورة الزلزلة.
الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون
فعلى العاقل إزاء ذلك أن يتقي الله تعالى ويُصلح من نفسه ما استطاع ويقهرها لتنقاد له في فعل الخيرات فيُجمِّلها بما يزينها من مكارم الأخلاق، وينقي قلبه ليسلم له باطنه من أمراض القلوب ثم لا يكون بعد ذلك من الثرثارين أو المتشدقين أو المتفيهقين كما نبَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم. و“الثرثار“ هو كثيرُ الكلام تكلُّفًا وخروجًا عن الحق فتراه يتكلَّف في زخرفة الكلام ويخرجُ به عن الصواب لا يُبالي. و“المتشدق“ هو الذي يتوسَّع في الكلام فيتكلَّف السَّجع والتصنُّع في العبارات من غير احتياطٍ واحترازٍ عن الغلط تفاصُحًا وتعظيمًا لكلامه، وكم نرى من الناس مَن هذا حالهم فإذا بأحدهم يثرثر ويتشدَّق من غير رادعٍ ولا احتياطٍ فيتعثر في كلامه كثيرًا من حيث يدري أو لا يدري، وتراه لا همَّ له إلا الثرثرة والتَّشدق ليبرُز بين الناس بذلك في المحافل والمجالس ولو لم يفهم السامعون شيئًا مما يقول، وترى بعض البُسطاء يُفتنون بمثل ذلك. وقد بلغني عن أحد هؤلاء المتشدقين أنه قام خطيبًا مرةً فأطنب في الكلام والسامعون كأنهم يسمعون لغةً أخرى فقال أحد العامة لرفيقه: ما هذه الخطبة لم أفهم شيئًا؟ فقال له صاحبه: هكذا كلام العلماء نحن لا نفهمه! فالعجب كيف صار البعض يحكم للشخص بالعلم لأنه متشدقٌ ثرثارٌ يأتي بما لا تفهمه العامة، وربما لا يفكر هذا الخطيب أو هذا المحاضر ولا يخطر له على بالٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رِضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيرضى الله بها عنه إلى يوم القيامة وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيسخط الله بها إلى يوم القيامة“ رواه الحاكم في المستدرك. وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبيّنُ فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب” متفق عليه. وفي لفظٍ عند الترمذي: “إن العبد ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا” وذلك كأن يكون في الكلمة مصادمةٌ للدين الحنيف وردٌ لنصوص الشريعة فيضل قائلها بذلك ضلالًا بعيدًا. ودلَّ قوله صلى الله عليه وسلم: “ما يتبين فيها“ وقوله: “لا يرى بها بأسًا“ أنه لا يرى فيها ضررًا وهو في الحقيقة يصيرُ مستحقًا للعذاب وهو لا يشعر. فمن كان ثرثارًا متشدقًا فقد اجتمعت فيه صفتان كرههما النبي صلى الله عليه وسلم فإن كان فوق ذلك من المتفيهقين فقد زاد شره جدًا، و“المتفيهق“ اشتقاقه من الفَهْق ومعناه في اللغة: الامتلاء والاتساع، يقال:أفقَهْتُ الإناء أي ملأته. والمراد بالمتفيهق الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسَّع فيه بالإتيان بما يزيد على الحاجة فيتوسَّع ويُسهب ويُشرِّق ويُغرِّب ويأتي بالألفاظ الغريبة غير المألوفة يفعل ذلك تكبرًا وترفُّعًا.
والحمد لله أولًا وآخرًا.