كتب الإعلامي الدكتور باسم عساف في جريدة الشرق – بيروت : الكُحُل للوجوهِ الصُفُر …والزَّحَل للخطوط الحُمُر…
في الأمثال الشعبية ، يقال للفاشلين: (جاء ليُكحِّلهَا ، فأعمَاها) ، وأيضاً يقال للناجحين :(ما أحلى الكُحل بعُيونوا) ، فالتكحيل مادة لترسيم العيون وإبرازها للتجميل أوالتظهير ، وفي جميع الأحوال فهي للفت الأنظار وإبراز مهارات الكحَّالين ، والكَحَّالة في لبنان باتت محطّ أنظار السياسيين بالموقع والموقف والموضع ، الذي أنتج أكثر من حدث قد شد أنظار العالم ، لما كان له من تداعياتٍ طائفيةٍ ومذهبيةٍ ، وحتى على صعيد الصراع القائم في المنطقة على كوعٍ خطرٍ من اللعب بالفتنة والتآمر على لبنان ككل وضياع سنواتٍ عجافٍ من التقاتل والعبث والتخريب ، ببلد قد ضُربَت الأمثال به على حسن الجوار ، وطيب الحوار والإنفتاح الحضاري والتقدم والتمدن في العيش المشترك ….
وإذا كنا ننظر بعين مكحَّلة بالرضا لهذا الوطن ، الذي نترقبه يوماً بعد يوم لإستعادة عافيته وعودته لإستقراره ، ولعب دوره الإنمائي المميز في المنطقة والعالم ، وكعرب في لبنان ، وكلبنانيين عند العرب ، ليحمل هكذا القضية ، ويقاوم كل معتدٍ أثيم ، وذلك يتطلب : وحدة الموقف والأداء ، والتماسك القوي في الجسد الواحد ، وفي توازنه ووقوفه على أرضٍ ثابتةٍ، وصخرةٍ صمَّاء من التلاحم لا تهتز من رياح ، ولا تتأثر من إجتياح ، ولاترتعد من صياح ،ولا تخاف من نباح ، فجميعها لا تشكِّل إلا الأشباح ، ولا تكسِبُ النجاح والفلاح ، إن كنا على قدر المسؤولية والمصداقية في الإصلاح ، دون الإستقواء على بعضنا بالسلاح ، وذلك يكون فعلاً أن القانون فوق الجميع ، لا أن يكون شعاراً ، يطلق العنان له ، كعناوين مسطورة لخطابات وتصريحات شعبوية ، تؤجج النفوس الضعيفة على حساب ذوي النفوس العفيفة …
إن ترسيم الخطوط الزرقاء والحمراء والصفراء ، أكانت للحدود البرية والبحرية ، أو لحدود الطوائف والمذاهب والأحزاب والتكتلات الشعبية ، أو التي تتحدد للمواقف السياسية وأتباع المشاريع المعلبة والوجبات الإنفعالية ، السريعة الجاهزة وتحت الطلب ، لتكون هي المَعلَم أو الإشارة في الزمان والمكان ، التي توحي لهم بقطع الطريق أو فتحه ، ومتى يعترضون أو يتكلمون ، ومتى يهللون ويصفقون ، ومتى يسخطون ويهاجمون ، وكل ذلك ليس أكثر من تحريش وإختبار ، ليبقى البلد ومن فيه ، أسير أزمات مأساوية ، وصراعات فتنوية ، كقنابل موقوتة بيد المتربصين ، يستخدمونها رهن إشارتهم في السقوط والإنهيار للبلد ، وفق خارطة الطريق المعهودة للمنطقة ككل …
الجميع يعترف ويقر بالقضاء والقدر ، وأن نصيب المرء لا بد واقع ، وقد يسري ذلك على بلاد وأمم ، قد غاصت بعمق التاريخ في هيمنَةٍ وتسلطٍ ، وكانت نهايتها كما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن …
ربما يتأتى ذلك من الفساد وترك الأمور على عواهنها والتسيب واللامبالاة في المسؤولية تملأ كل جانب والإهمال يعمُّ كل الأرجاء في السلطة والإدارة والأجهزة ، وأن يبقى المتجاوزون للقانون والمستهترون بخيانة الوطن والمواطن يعيثون فساداً في سدة المسؤولية رغم كل الفضائح والكوارث التي تجنيها أيديهم الملوثة بالتآمر والسرقة والنهب ،كرمى لعروشهم وكروشهم الملئ بالأعباء المالية والمادية والمعنوية على حساب المظلومين والمسحوقين من أبناء بلدهم وجلدتهم ومن يمثلون عليهم ، لا يمثلونهم …
أحداث كثيرة ،وإغتيالات عديدة، وتفجيرات هنا وهناك ، وإشتباكات متنقلة أكانت مع عصابات التهريب ، أو مجموعات الترهيب ، أو عناصر التخريب ، تدل جميعها على التلاشي والإنفلاش في مسؤولية تنفيذ القانون وتطبيق النظام على الجميع، مما سمح للعابثين بالنشاط وإستغلال تلهي المسؤولين بالفضائح والخوف من العقوبات والتحرك بالمزاجيات الشعبوية من دون رادع ولا حسيب ولارقيب ، ولتنام القضايا في الرؤوس ، وإستغلال هدأة النفوس ، لتؤول إلى الأدراج وتنسى مع الأيام أو مع أحداث أخرى مستجدة ، وتهمل مع القضايا المتعددة ، وهكذا دواايك مع حليمة التي تعود إلى عادتها القديمة …
في معظم بلاد العالم ، قد تحدث كوارث وأحداث ، وتحلُّ بها أزماتٌ ومشاكل ، ولكن لا تصل إلى تصدُّعِ البنيان والمؤسسات ، ومن دون تشغيل العواطف والشعور الطائفي والمذهبي ، وآستغلاله للمحاصصات والكوتا ، التي تزيد الفضائح والسمسرات ، فتجري الأمور تحت القانون وعلى مبدأ العدالة للجميع ، وتسري ضمن قنوات الحق والحقوق ، تعويضاً للنفوس والأنفس الراحلة ، ومن دون مناجرة للضحايا بأرواحهم ، وللجرحى والمعاقين براحتهم…
لكننا نجد الأحوال في لبنان ، تسير عكس التيار وخلاف العادات والأعراف الدولية ، بوجود المنظومة السياسية الجاثمة على السلطة المحلية ، بمسؤوليات من دون لون ولا رائحة ولاطعم ، لتسير ضمن خطوطٍ وهميةٍ ، وبألوانٍ مخفيةٍ ، لا تظهر بكحلِ الوجوه الصُفر ، ولا يتبيَّن منها الزَحل للخطوط الحُمر …