الإمام العظيم… الحسين عليه السلام / بقلم: الشيخ أسامة السيد/ الشراع
313
الشراع 27 تموز 2023
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:{إنما يريد اللهُ ليُذهبَ عنكم الرجسَ أهلَالبيت ويُطهركم تطهيرًا} سورة الأحزاب.
منذ زمانٍ بعيدٍ جدًا وتحديدًا في السنة الرابعة من الهجرة الشريفة وعلى أرض المدينة المنوَّرة طيبة الخير شهد منزل السيدة البتول فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيدة نساء العالمين بعد البتول مريم عليها السلام،بنت أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة الكبرى وزوج الإمام عليٍّ عليه السلام،مولدًا ميمونًا لطفلٍ نجيبٍ مباركٍ تفتَّحت عيناه في بيتٍ مباركٍ بين أبوين جليلينكريمين وأحاطته رعاية جده خير المرسلين نبي الأمة سيدنا محمد بن عبد اللهالهاشمي صلى الله عليه وسلم منذ بزوغ قمره على الدنيا،فبدر بدره ولاح نوره ونشأ نشأةً طيبةً ترعاه أنظار إمام النبيين صلى الله عليه وسلم الذي سمَّاه الحسين، وناهيك بذلك شرفًا وعزًا وكرامةً.
كان طفلًا حظي بمحبة أفضل الجدود واهتمامه من حين المولد إذ حنَّكه النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة بالتمر وعقَّ عنه (عمل له العقيقة) وتربَّى هذا الطفل على محبة جدهواتِّباع نهجه المعظَّم والتزام سنته المطهَّرة فأشرقت من طلعته مصابيح الهدى تنير السبيل للمسترشدين.كان بُرعُمًا تفتَّقت زهرته عن أروع الورود التي ما زال أريجها يعبق في أفئدة العاشقين لهذا الإمام العظيم برغم تقادم الأحقاب والسنين.كان شمسًا سطع وهجها في سماء المجدبل علمًا شامخًا لا تميد به الأعاصير ولا تكسر شموخَه تياراتُ الباطل.
ولئن كان البعض ينسى أحبابه عبر الزمان وتغيب مع كرِّ الليالي والأيام مآثر كثيرين فإن المؤمنين لا ينسون فضلَ الحسين ولا يتخلَّون عن تعظيمه ولا يغفلون عن تذكُّر مناقبه العالية،بل ولا يزالون دعاةً إلى محبة الحسين لأن في محبة الحسين إحياءً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “اللهم إني أُحبُّهما (الحسن والحسين) فأحِبَّهما” رواه الإمام أحمد. وعنه أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال: “من أحبني فليُحبَّ هذين (الحسن والحسين)“ رواه البيهقي. وروى ابن ماجه عن يَعلى بن مرَّة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “حسين مني وأنا من حسين” ومعناه محبته لي كاملة ومحبتي له كاملة. وروى الترمذي عن أبي سعيدٍ الخدري أن النبي صلى الله علية وسلم قال: “الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”. وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “هما ريحانتاي من الدنيا” رواه البخاري. والمراد بالرَّيحان هنا الرزق أي هما من رزق الله، ويجوز أن يريد بالريحان المشمومَ، والمعنى أنهما مما أكرمني الله به وحباني به لأن الأولاد يُشمون ويُقبَّلون فكأنهم من جملة الرياحين.
تأسَّوا بالحسين عليه السلام
لقد كان الحسين عليه السلام من أولياء الله الصَّالحين وأئمة الدين العاملين الذين يُقتدى بهم،ونحن في هذا الزمان العصيب ندعو إلى التأسي بالحسينعليه السلام والنظر في سيرته ومناقبه العظيمة ليستفيد من ذلك جيلُنا الذي انحرف أغلب أبنائه عن مكارم الأخلاق، ففي سيرة الحسين درسٌ لكل الأباةالطامحين إلى العيش الكريم المنسجم مع المبادئ النبيلة ونبذ الظلم والتطرف والإرهاب البغيض.
لقد كان الحسين نموذجًا في الدعوة إلى الله تعالى والوقوف في مواجهة الباطل قولًا وفعلًا بالسِّنان والبيان لا يخاف في الله لومة لائم. أحب اللهَ ورسُولَه وأحبَّه اللهُ ورسولُه، واستقى من معين جده رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمت نفسُه وعلت همتُه فكان إمامًا عظيمًا وسيدًا سندًا فخمًا مفخَّمًا راسخًا في علمه قويًا في حجته أسدًا في صولته، كثير البر واسع العطاء، عابدًا خاشعًا ناسكًا قائمًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مصلحًا لأمور دنياه على ما يوافق الشريعة الغرَّاء، فلم يكن يرضى بالذل ولا يسكت على إثمٍ وحين رأى الظلم بدأ يضرب بجذوره في الأرض انتهض ليجتث تلك الجذور بكل ما أوتي من قوة وبأسٍ في حينٍ كان بإمكانه أن يؤثر الدنيا ويلج أبواب الثراء العريضة وينال من حظوظ الدنيا قدرًا كبيرًا بمداهنة أهلها والتقرُّب إلى أمرائها الفاسدين، ولكن هيهات لإمامٍ بمستوى الحسين أن يختار ذلك بينما يسعى الشر ليشبك خيوطه في جسد خير أمةٍ أخرجت للناس، فكانت بالتالي تلك الملحمة التاريخية الكبرى التي مازالصداها يترددإلى يومنا هذا، وكانت كربلاء درسًا في القيام بالحق وعدم المساومة عليه ولو كنت وحدك، ورفضِالخنوع للباطل ولو تكالبت عليك كل كلاب الدنيا، كيف لا وقدقال الله تعالى:{ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتابٍ من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير } سورة الحديد. والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ وهو فوق السماء السابعة كتبت فيه مقادير الخلائق مما يجري في الدنيا إلى قيام الساعة، ومعنى “نبرأها“ نخلقها.وروى الترمذي عن ابن عبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشىءٍ لم ينفعوك إلا بشىءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشىءٍ لم يضروك إلا بشىءٍ قد كتبه الله عليك” وهذا ما تعلَّمه الحسين من عقيدة جده رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عليه كل المؤمنين، فمشيئة الله نافذةٌ ولا رادَّ لما قضى الله تعالى.وقد كُتب في اللوح المحفوظ أن الحسين عليه السلام يستشهد في كربلاء ويجري عليه وعلى أهل بيته ما جرى في العاشر من شهر المحرَّم يوم الجمعة سنة إحدى وستين من الهجرة الشريفة،وما زالت أحداث تلك الملحمة جرحًا لم يرقأ ومأساةً تعتصر لها قلوب المحبين حزنًا وأسفًا بل ودليلًا على هوان الدنيا وحقارتها إذ يجري فيها على علمٍ من أعلام بيت النبوة ما يجري بينما يملكُ فيها زمام الحكم الطغاة وما أشبه اليوم بالبارحة.
ويحضرني في الختام حديث الترمذي عن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو كانت الدنيا تعدلُ عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شربة ماء”.