فرنسا: اضطرابات همجية لا مبرر لها- الشراع 7 تموز 2023

الشراع 7 تموز 2023

شهدت العشرات من المدن الفرنسية، خلال الاسبوع الماضي ،موجة اضطرابات عنيفة وهمجية لم يسبق لفرنسا ان عرفت مثيلًا لها من حيث مدى انتشارها ،والدمار الذي به تسببت

ومشاركة واسعة من قبل صغار السن ، ولا سيما عمليات النهب المنظمة للعشرات من المراكز التجارية والمحلات التي تعرض سلعًا باهظة الثمن ، ناهيك عن حرق السيارات ووسائل النقل العمومية والمدارس ومقرات البلديات وبراميل النفايات.
وقد اورد تقرير صدر عن وزارة الداخلية الفرنسية حصيلة تلك الأعمال على الوجه التالي:
-حرق أكثر من ٥٠٠٠سيارة ومايزيد عن ١٢٠٠٠ برميل نفايات
-تعرض اكثرمن ١٠٠٠ مبنى للحرق والنهب او الدمار الجزئي.
-الاعتداء على أكثر من ٢٥٠مركز للشرطة واصابة أكثر من ٧٠٠ رجل شرطة بجروح.

هذه الاضطرابات التي اندلعت اثر مقتل الشاب  ناءل  (وهو مواطن فرنسي من اصول جزائرية )على يد شرطي اطلق النار عليه بعد رفضه الامتثال لأمر التوقف  والخضوع لمراقبة الشرطة، خلقت لدى اغلبية كبيرة من الفرنسيين شعورًا بانعدام الامن وخوفًا من استمرارها واتساع نطاقها ، فطالبت السلطة برد حازم وسريع على هذه الأفعال التي لا مبرر لها (وتم فعلًا توقيف الآلاف من المشاركين في اعمال الشغب ،وصدرت بحق الكثيرين منهم أحكامًا بالسجن) كما ان استطلاعات الرأي التي جرت بعد يومين من بدء الاضطرابات اظهرت ان حوالي ٧٠ بالمئة من الفرنسيين يطالبون بفرض حالة الطوارئ  ونشر قوات الجيش في المدن الفرنسية .

تجدر الاشارة هنا الى انه على الصعيد السياسي ابدى بعض اليسار تفهمًا لاحتجاجات سكان الاحياء الشعبية، نتيجة ما يعانون من فقر وبطالة وتهميش اجتماعي على الرغم من انه ادان بعض التصرفات :كحرق المدارس والمباني العمومية ولكنه تجاهل اعمال السرقة والنهب.
أمًا اليمين بكافة تياراته فقد أوصى بعدم الاستجابة لمطالب المحتجين، ودعا الى استخدام القوة ووقف دخول المهاجرين الى فرنسا، وطرد كل من يقيم على الاراضي الفرنسية بصورة غير شرعية.

ازمة الاحياء الشعبية في فرنسا.
مما لا شك فيه هو ان الاحياء الشعبية تعاني منذ سنوات طويلة أوضاعًا صعبة (نسبة عالية من البطالة ،ضعف مستوى الخدمات الاجتماعية -التعليمية و الصحية والمواصلات الخ.) ومما زاد في السنوات الاخيرة من صعوبة أوضاعها هو انها تحولت آكثر فأكثر الى “غيتوات ” تنتشر فيها على نطاق واسع عصابات تجارالمخدرات التي تلجأ الى استخدام شباب من سكان هذه الاحياء تركوا مقاعد الدراسة ، وتقض مضاجع السكان بعمليات التصفيات المتبادلة من جهة ،والتصدي لمهمة رجال الشرطة  التي تسعى لحماية السكان من أعمالها الضارة بصحتهم وأمنهم.
ان سكان الاحياء هم اول ضحايا هذه الاوضاع المتردية. فهم يدفعون غاليًا ثمن هيمنةالمجرمين على أحياءهم ويطالبون الدولة ،منذ سنوات طويلة ،بالتدخل لوقف هذا التدهور الذي يستحيل التعايش معه.  كما ان كل من تسنح له فرصة ترك هذه الاحياء فانه لايتردد لحظة واحدة  حماية لعائلته من هذا المحيط الخطير.
ومن جهة ثانية فان الحكومة الفرنسية تتحمل بدورها مسؤولية كبيرة في تدهور الاوضاع في هذه الأحياء بسبب تجاهلها الاقتراحات التي قدمها، بطلب من الرئيس ماكرون،الوزير الفرنسي السابق” جان لوي بورلو ” والتي ركزت على قطاعات السكن والتعليم والمواصلات وتنميتها كفرصة لا يمكن ان تعوض لأعادة دمج هذه الاحياء في محيطها الفرنسي.
على انه وعلى الرغم من كل ماسبق، لا يمكن اعفاء سكان هذه الاحياء من مسؤولياتهم  النسبية عما الت اليه أوضاعهم. فهم في الكثير من الأحيان لا يتصرفون كمواطنين فرنسيين ،وبعضهم يحمل حقدًا لا مبرر له على البلد الذي ولد فيه ويحمل جنسيته.
ان نسبة كبيرة من هؤلاء لا تولي أية أهمية لواجباتها السياسية ..فتمتنع إراديًا عن التسجيل في لوائح الناخبين وبالتالي لا تشارك في الانتخابات سواءً كانت بلدية أو نيابية او رئاسية ، وهذا ما يفسر  تجاهل السياسيين عمومًا   لمطالبهم .
ان ردة فعل ابناء الاحياء الشعبية على قتل الشاب نائل التي وصفت “بالهمجيه “،حتى من قبل من يتضامنون مع مطالبهم المحقة،  اساءت لقضيتهم.
ان من يرفض اي خيار آخر غير العنف ،ولا يتحمل اي رد سلمي وايجابي ،هو المسؤول الاول عن لجوء البعض لاستغلال التصرفات الهمجية ،بهدف تشويه صورةابناء الضواحي المهمشة.

مجلة الشراع