الحريات، بين المثلية ومعتقدات الأديان/ السيد صادق الموسوي/الشراع

الشراع 30 حزيران 2023

تتسابق الدول الغربية هذه الأيام في المباهاة بواقع المثلية لديها..

بل وتقوم البرلمانات فيها بسنّ القوانين التي تثبّت واقع المثلية بصورة دائمة..

بل وتمارس السلطات فيها فرض الأمر على العموم رغم إرادتهم..

بل وتحتم السلطات التربوية على الأطفال التعرف على المثلية كمادة واجبة في المدارس وذلك رغم أنف الأهالي وتحدياً لمعتقداتهم الدينية وخصوصياتهم الثقافية..

بل وحضّ المعلمين والمعلمات الطلاب والطالبات على ممارسة الجنسية المثلية فيما بينهم، وفي السياق تقوم سلطات بعض الدول بتخصيص يوم أو شهر للترويج للمثلية في البلاد كل ذلك تحت عنوان ” احترام الحريات “.

وفي الوقت نفسه

يُحظر على من لا يؤيدون الفكرة النأي بأنفسهم وعوائلهم عن هذا السلوك الشاذ والمخالف لأصل تكوين الجنس البشري، بل والكيان الحيواني بأسره، ومنع تلوث نفسيات أولادهم بالأمر، وإبداء الموقف الرافض لذلك تحت ذريعة مراعاة مشاعر بعض المواطنين المثليين في تلك الدول ،وعدم جواز التعرض لخصوصياتهم، فيما نجد أن فرداً معتوهاً أو معقداً في تلك البلاد يقوم بالتعدي على مشاعر أكثر من مليار إنسان في أرجاء الأرض ،ويحرق أقدس شيء لدى أمة بكاملها دون أن تقوم السلطات بمنعه من استفزاز مشاعر جزء من مواطني البلد نفسه عدا عن مراعاة معتقدات الأمة الإسلامية كلها.

إن الإزدواجية في المعايير هو السلوك المتبع لدى السلطات في الدول الغربية، حيث تبرر تصرفاتها وتخترع أدلة لسلوكها، فعندما تريد احتلال بلد كالعراق مثلاً فإنها تختلق موضوع وجود أسلحة دمار شامل، وتحت هذا العنوان يُقتل مئات الألوف من المواطنين ويدمر اقتصاد البلد وتُنتهك سيادته، ثم يتبين بعد ذلك كذب الإدعاء من أساسه، لكن لا أحد يحاسب الذين ارتكبوا الجريمة الكبرى تلك.

وقبل ذلك في أفغانستان استعملوا أكثر انواع الأسلحة تدميراً فيها بذريعة محاربة تنظيم القاعدة التي هم من أسسوها لمواجهة السوفيات أثناء احتلالهم للبلاد ،وهم من سلحوها وموّلوها، وهم من أوكلوا أمر تنظيم صفوفها لاسامة بن لادن الذي تم إرساله إلى هناك بمباركة من المخابرات المركزية الأمريكية وحلفائها، لكن بعد الإستغناء عن خدمات ” القاعدة ” حولتها وسائل الإعلام الأمريكية التي كانت حتى الأمس تصف أعضاءها بالمجاهدين إلى تنظيم إرعابي  يشكل خطراً على السلام العالمي وألبستها أنفجار البرجين في نيويورك، وكان ذلك سبباً كافيا لشن حرب على أفغانستان واحتلاله وقتل مئات الآلاف من شعبه .

واليوم

نرى الدول الغربية بأغلبها تقدم ما في مخازنها من أنواع السلاح،  وما في خزائنها من الأموال لمواجهة روسيا في أوكرانيا ،بزعم مساندة هذه الدولة في الدفاع عن سيادتها ومقاومة الإحتلال الروسي لأراضيها في وقت نرى الدول نفسها لا تعير أي اهتمام لسيادة الدول في منطقتنا، حيث في العراق تملي السفيرة الأمريكية في بغداد على المسؤولين فيه ما يجب أن يفعلوه وما لا يجوز فعله، ويستقر في كل وزارة ومؤسسة ممثلون للسفارة الأمريكية يتحكمون في أمورها ويملون القرارات على المسؤولين فيها، بل يفاخر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بصورة علانية بآنه أمر باغتيال ضيف رسمي للدولة العراقية قد استقبله ممثل من قبل رئيس وزرائها بصورة رسمية حيث تقوم المسيرات الأمريكية بقصف الموكب وهو خارج من مطار بغداد ما أدى إلى مقتل الضيف وممثل رئيس وزراء العراق وعدد من المرافقين، ثم لا أحد يحاسب الإدارة الأمريكية أو يدين انتهاك السيادة العراقية على الأقل.

وهناك أمثلة كثيرة على ازدواجية المعايير لدى الدول الغربية، إذ نتأكد أن لا صدقية لتلك الدول في تعاطيها مع الموضوعات المختلفة لدى الدول، فانظروا مثلاً كيف تتعامل السلطات الفرنسية مع حشود المتظاهرين لديها وكيف يقتل البوليس مواطناً بكل وحشية، وفي فلسطين المحتلة يتظاهر على مدى أشهر أكثر من مائة ألف ” صهيوني ” ضد سياسات حكومة نتنياهو، لكن أحداً لا يقول أن حقوق الإنسان في البلدين يتم انتهاكها، بل إن جنود الإحتلال يقتلون كل يوم الفلسطينيين وحتى الأطفال لكن المسؤولين في الغرب لا ينبسون ببنت شفة ولا مؤسسة دولية تُصدر إدانة..

لكن إذا تجمع العشرات لا أكثر في إيران للإعتراض على سياسة الدولة أو تظاهر جمع قليل في العراق ضد مسؤول غير مرضي لدى الولايات المتحدة فإن بيانات التأييد للمتظاهرين تتوالى من كل حدب وصوب، وإذا حاولت القوى الأمنية في البلدين التعامل معهم بحسب مسؤولياتها لحفظ الأمن ومواجهة أعمال الشغب فإن المنظمات الدولية ومؤسسات حقوق الإنسان تتسابق في إصدار الإدانات، والدول الغربية تهدد بفرض العقوبات المشددة على الدولة ومصادرة أموال وممتلكات المسؤولين فيهما في حال لم تُلبِّ مطالب المتظاهرين.

إن الأمة الإسلامية التي تجمعت في أكبر حشد بشري في المشاعر المقدسة في الأيام القليلة الماضية تخليداً لسنة النبي إبراهيم الخليل عليه السلام والذي هو موضع احترام وتقديس عند الأديان السماوية كلها، وأمام هذا الواقع الغربي الفاحش الذي يتحدى المشاعر للأمة بكل طوائفها ومذاهبها وأطيافها، وأمام تهاون المؤسسات المسماة دولية والمنظمات المدعية الدفاع عن حقوق الإنسان في القيام بدورها في التصدي لتحدي المعتقدات الدينية ومراعاة مشاعر الأمة الإسلامية، يجب أن تتوكل الأمة على ربها سبحانه أولاً ثم الإعتماد على نفسها، وعدم الإكتراث بما تبثه وسائل الإعلام الغربية، بل والنظر بعين الشك والريبة بما تسلط عليه تلك الأبواق الأضواء.

فانظروا كيف كان يتم التعامل مع كوريا الشمالية وتلميع صورة زعيمها لما كان يريد رئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب اللقاء معه والتودد إليه، ثم بدأت الوسائل الإعلامية نفسها تبثّ تقارير عن حالة الجوع والفقر والظلم وانتهاك حقوق الإنسان وديكتاتورية زعيم كوريا الشمالية لما تريد الإدارة الأمريكية الحالية ممارسة الضغوط على البلد لأجل ابتزاز السلطات فيها.

وأيضاً نرى الرئيس الأمريكي بايدن اليوم يصف الزعيم الصيني بالديكتاتور كونه لا يستجيب للإرادة الأمريكية، لكنه في حال سار في ركب الدول الغربية وشارك في العقوبات ضد روسيا ودعم موقف الدول الغربية في الحرب في أوكرانيا فإن الزعيم الصيني نفسه يوصف عندئذٍ من قبل السياسيين الغربيين والإعلام المتصهين بالقائد المثالي.

وفي إيران نفسها لما كان الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما يبعث بالرسائل تلو الرسائل إلى آية الله خامنئي فإنه لا كلام عن انتهاك حقوق الإنسان فيها بل الرسائل مليئة بعبارات الود والإحترام، لكن عندما يأتي دونالد ترامب المعتوه تنهال على الجمهورية الإسلامية الإتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، وتتوالى العقوبات القاسية، وتمارس الضغوط التي لم تسبق في التاريخ، وتصدر التقارير الأممية ضد السلطات الإيرانية وتُفرض العقوبات على المسؤولين المعنيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة سواء في السلطة القضائية أو المؤسسات الأمنية والعسكرية.

إن السكوت اليوم على حرق القرآن الكريم في السويد وقبله أمام المركز الإسلامي في هامبورغ في ألمانيا وفي دول أخرى غربية لهو أكبر دليل على رضا المسؤولين في تلك البلاد عن تلك التصرفات، وإن مجرد إصدار بيانات الإدانة لا تأثير لها عليهم ألبتة، وإن هذا التطاول الجديد على أقدس المقدسات الإسلامية وفي هذا التوقيت الذي يتوجه فيه ملايين الحجاج إلى الله ملبين ومكبرين لا بد أن يستثير حمية قادة وشعوب الدول الإسلامية ويدفعهم إلى نبذ الخلافات فيما بيتهم، وتوحيد الصفوف، ورفض كافة مسببات التفرقة، وخنق كافة الأصوات التي تنفخ في بوق الخصام، لأنها كلها تعمل في خدمة الصهاينة المجرمين والمستكبرين الذين يستفيدون من كل نقطة خلاف صغيرة، ويستغلون أي ثغرة للنفاذ منها والتغلغل في صفوف الأمة الإسلامية تحت شعارات كاذبة وادعاءات واهية، والله سبحانه قد فضح لنا في كتابه المجيد منتهى هدف أعداء الأمة بقوله:

( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) صدق الله العلي العظيم.

السيد صادق الموسوي.

 

مجلة الشراع