إعرف عدوك: المجتمع اليهودي جمع من الشتات وتنوع ديني/ عبد الهادي محيسن/الشراع

الشراع 20 اذار 2023

تبعثر اليهود منذ ألفي عام في أقطار العالم وخاصة في أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وأسسوا على مر السنين العديد من الطوائف اليهودية وعانوا من التمييز في البلاد التي هاجروا إليها كونهم لا يندمجون بالمجتمعات الجديدة بل يشكلون غيتوات منفصلة ، وفي أواخر القرن التاسع عشر تأسست الحركة الصهيونية وأدت الى قيام الكيان الصهيوني الذي وضع قانونا للعودة يمنح بموجبه كل يهودي حق القدوم الى فلسطين وأخذ الجنسية الإسرائيلية .

أرسيت الأسس السياسية والإقتصادية والثقافية للمجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة في عهد الإحتلال البريطاني المشؤوم وتطور المجتمع اليهودي على الأسس الصهيونية كقومية وعقيدة والى مؤسسات إجتماعية وسياسية مارست صلاحياتها خلال فترة الإنتداب دون أن تدعمها السيادة كدولة ، بعد إعلان الدولة في العام 1948 توافد على أرض فلسطين أعداد هائلة من الشتات من مختلف الدول في أوروبا والبلاد العربية فتضاعف عدد السكان اليهود خلال السنوات الأربع الأولى من 650 ألف الى 1.3 مليون نسمة الأمر الذي أدى الى تغيير بنية المجتمع الإسرائيلي .

أسفر ذلك التغيير عن تكوين إجتماعي يعتمد على مجموعتين رئيسيتين : أغلبية تضم بدرجة رئيسية اليهود القدامى وأقلية المهاجرين الجدد من يهود الدول العربية والإسلامية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وفي حين كان اليهود القادمون من أوروبا وهم السواد الأعظم يلتزمون بقناعات أيديولوجية وبأسلوب حياة ديموقراطي ، فإن الكثيرين من اليهود الذي عاشوا في أقطار عربية طوال قرون عديدة نشأوا في مجتمع يسوده الإلتزام بالمؤسسات العائلية فوجدوا صعوبة في التكيف مع أقرانهم ديموقراطيا وحضاريا .

في أواخر الخمسينات كانت هاتان المجموعتان تعيشان جنبا الى جنب دون أن يحدث بينهما تفاعل إجتماعي أو ثقافي فعبر اليهود القادمون من أقطار شمال أفريقيا والشرق الأوسط (السفاريدم) عن شعورهم بالإحباط والغربة فمارسوا نشاطات إحتجاجية مناوئة للحكومة واتخذت هذه الإحتجاجات في الستينيات والسبعينيات شكل المطالبة بزيادة المشاركة في العمل السياسي وتوفير المزيد من الطاقات والمصادر لهم والقيام بالتمييز الإيجابي لصالحهم لتضييق الهوة بينهم وبين أقرانهم اليهود الوافدين من أوروبا (الأشكناز) .

في بداية الثمانينات أصبحت الحركات الإحتجاجية التي كانت تتصدر العناوين في المجتمع الإسرائيلي ظاهرة هامشية وأصبحت الزيجات المختلطة بغض النظر عن الخلفية العرقية أمرا مألوفا وضاقت الهوة الإجتماعية العرقية ، وفي العام 1984 تم تأسيس حزب متدين لليهود السفارديم (الشرقيين) وهو حزب ” شاس ” وأصبح هذا الحزب مع مرور السنين ثالث أكبر حزب في الحلبة السياسية ويرجح كفة الميزان بين الحزبين الكبيرين العمل والليكود .

واصلت إسرائيل على مر السنين إستيعاب القادمين الجدد الذين توافدوا الى فلسطين في مجموعات كبيرة وصغيرة وشملت آخر موجة من المهاجرين الجدد أعداد كبيرة من يهود الإتحاد السوفياتي ، الذين قاموا بمحاولات عديدة خلال فترة الحكم الشيوعي من أجل الهجرة الى فلسطين المحتلة إلا أنه تمكن حوالي 100 ألف منهم من الهجرة خلال السبعينيات ومنذ عام 1989 وبعد البروسترايكا التي قادها غوربتشوف تمكن مليون يهودي من روسيا من الهجرة الى فلسطين .

لقد كان من بين المهاجرين الجدد الكثير من المثقفين وأصحاب المهن الحرة وعلماء مشهورين وفنانين وموسيقيين فكان لهم مساهمة فعالة في المجتمع الإسرائيلي في المجالات الإقتصادية والعلمية والأكادمية والثقافية ، وفي الثمانينيات شهدت فلسطين المحتلة وصول موجة من القادمين الجدد من يهود أثيوبيا ويبلغ عددهم حوالي 50 ألف نسمة ومع أن هؤلاء الوافدين الجدد واجهوا صعوبة في الإنتقال من مجتمع زراعي كانوا يمارسونه الى مجتمع صناعي متقدم وحديث .

اعتنق اليهود حسب التوراة عقيدة التوحيد واتخذوا اليهودية كمفهوم ديني وقومي في آن واحد ومع بداية القرن الثامن عشر كان معظم يهود العالم يعيشون في أوروبا حيث كانوا منعزلون في غيتوات ولم يكن بينهم وبين المجتمعات القائمة حولهم سوى قليل من التفاعل وقد أدار اليهود شؤونهم الخاصة بهم في إطار الطائفة إستنادا الى الشريعة اليهودية ( الهلاخا ) وهي الشريعة التي وضعها وطورها علماء الدين على امتداد مئات السنين .

في القرن التاسع عشر اجتاحت أوروبا موجة من التحرر واليقظة القومية ، واخترقت هذه الموجة أسوار الغيتو اليهودي أيضا فتولدت عنها مواقف أكثر إنفتاحا على التعليم والثقافة والفلسفة وعلم الأديان وفي المقابل وهذا هو الأهم أسفرت هذه الموجة عن تكوين عددا من الحركات الفكرية تبنت أيديولوجيات قومية وسياسية ابتعد بموجبها الكثير من اليهود من التدين الصارم وتبنى القومية الصهيونية كمفهوم أيديولوجي .

يتكون المجتمع الصهيوني حاليا من يهود متدينين يختلفون في مدى تدينهم فمنهم الأصولي  الأرثوذكس المتطرفون ومنهم من يعتبرون أنفسهم علمانيين ويمكن القول أن 20% من السكان اليهود ملتزمون بالفرائض والشعائر الدينية ، ونظرا لأن إسرئيل تبنت الدين كحركة قومية مرادفة للصهيونية فقد حددت يوم السبت وجميع أيام الأعياد الدينية والمناسبات الإحتفالية كأيام عطلة رسمية .

وعموما يمكن القول أن غالبية المجتمع اليهودي هي من اليهود العلمانيين الذين يتبعون أسلوب حياة حديث إلا أنه خلافا لذلك يعتقد أبناء فئة من المتزمتين  الحريديم بأن سيادة اليهود على أرض فلسطين لايمكن أن تتم إلا بعد قدوم المخلص المسيح  همشياح وهم يقطنون أحياء منفردة ويديرون مدارس خاصة بهم .

عبد الهادي محيسن … كاتب وباحث .

مجلة الشراع