لماذا اختار عبد الناصر والضباط الأحرار اللواء محمد نجيب رئيسا عليهم / بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
119
الشراع 13 شباط 2023
عندما كان جمال عبد الناصر ورفاقه بصدد تنظيم شبكة الضباط الأحرار شعروا بحاجتهم الى قائد برتبة عالية ، إنسان الجميع يعرفه ويولوه إحترامهم ويكون لهم الشرف بالإنضواء تحت لوائه والحقيقة أنه لم يكن لديهم إسم محدد ولم يكن محمد نجيب هو الإحتمالية الوحيدة بل كان واحدا من جملة أشخاص للإنتقاء منهم وحتى اللحظة الأخيرة عندما أفلح عبد الحكيم عامر بإقناع عبد الناصر بأن نجيب هو الإختيار المنطقي لتلك اللحظة على رأس القائمة .
ومع أن لمحمد نجيب ماض ناصع في الشجاعة وله شعبية واسعة عند الضباط ، فقد كانت ميزته الرئيسية فقدانه للطموح أو رغبة في السلطة وقد اعتقد الضباط الأحرار أن بإمكانهم التعامل معه وتسييره ، وفي الحقيقة فقد قام خالد محي الدين العضو الشيوعي في بطانة عبد الناصر مع أصدقائه بالتلاعب بسلسلة من الأحداث أدت الى اختيار محمد نجيب لسدة الرئاسة ظنا منهم أنهم أقدر على سياسته والسيطرة عليه من عبد الناصر نفسه .
وأنه بالإمكان أن يحل محل عبد الناصر فيما إذا شق الأخير عصا الطاعة عليهم ، وكان عبد الناصر بالتأكيد مدركا لهذه الغايات ولكنه لم يكن يخشى أيا من خالد وأصدقائه بل تركهم يعتقدون أن عليهم قائدا من إختيارهم ، ومهما يكن فبعد نجاح الثورة واعتلاء نجيب سدة القيادة لم يكن أنصار نجيب هم الذين أخذوا يوحون له أنه هبة التاريخ لمصر .
وأما مفاهيم عبد الناصر حول مركز القيادة في الثورة سواء كانتتحت قيادته أو قيادة أي فرد آخر أو أي رئيس صوري وضعه عبد الناصر نفسه أو غيره في مركز صوري لقيادة الثورة فإنها مفاهيم مهمة وشاقة وليس ذلك لإظهار عبد الناصر على أنه شخصية تاريخية لكفاءأته ومواهبه ، ولكن لأنها حازت أيضا قبول وإعجاب المراقبين الغربيين وجميع من كانوا حول عبد الناصر يومها.
كان عبد الناصر يعتقد أنه لا يمكن حمل فرد أو أمة كاملة على فعل شيء معين باتباع أسلوب الترغيب أو الترهيب وإنما بخلق ظروف معينة تحمل الموجود في خضمها على المطالبة بفعل ما يراد منه فعله ، فرغبات الجماهير ومتطلباتها هي التي تحفزها على التحرك وليست رغبات القائد أو طلباته فالقيادة بمعنى آخر هي مهنة خلق الدوافع والحوافز .
وعندما دقق عبد الناصر قبل الإنقلاب في أوضاع بلاده وحالتها إكتشف أن الشعب فاقد الحوافز والرغبات ولا يود التحرك في أي من الإتجاهات ولهذا رأى عبد الناصر أن عليه أن يحيط الشعب بظروف وأجواء تساعد على تحريك الحوافز وتوليد الرغبات عند أفراده وما القائد إلا جزء لا يتجزأ من هذا المحيط وليس من الضروري أن يكون عبد الناصرهوالقائد بنفسه طالما بإستطاعته أن يخلق تلك الأجواء ويبقيها تحت سيطرته .
بعد استلام عبد الناصر علنا لمقاليد الأمور بدلا من بقائه يوجهها من وراء الكواليس أضحت هذه الفكرة مدعاة للشك والتحقيق فأما الذين يعرفون عبد الناصر يعرفون أن السبب الذي أدى الى تغيير الأحوال ليس تلهف عبد الناصر للسلطة بقدر ما هو تلهف محمد نجيب لها وشراهته اليها فقد كان عبد الناصر يريد قائدا شكليا للثورة فقط عندما اختار محمد نجيب لرئاسة مجلس قيادة الثورة فعبد الناصر من الطراز الذي يهتم بخلق الظروف وإيجاد الأجواء المناسبة بدلا من إهتمامه بالتفرد بالسلطة على النمط الهتلري .
لقد اختير محمد نجيب لملء منصب القيادة بسبب ميزات معينة أدرك عبد الناصر معها صلاحية نجيب للمرحلة الأولى من المراحل الثلاثة لتطوير البلاد ، فقد كان الشعب المصري تحت ظل حكم الملك فاروق ساخطا ومستاء بدون تطرف ، وبدأ ينفس عن كربه بالتذمر والدمدمة وكانت تلك الفترة أكثر الأوقات ألما في التاريخ المصري فالإطارات الإجتماعية لم تتفسخ بعد ولكن الفرد في أفقر العائلات بقي قانعا بحرمانه لأنه لم يكن وحيدا في آلامه وعذابه .
ولأنه اعتاد على الفاقة والحرمان حتى أضحى ذلك عادة في حياته وطبيعته لا مجال للتشكي منها ولم يكن يشعر بتأثير الثقافة الغربية واهتمامها بحرية الفرد واستقلاله إلا بعض الضباط والمفكرين فقد كان عند هؤلاء إستقلال شخصي وإطلاع وتصورات كافية لتوليد الشعور بالنقمة والإضطهاد وكان عبد الناصر مقتنعا بضرورة تفتيت المجتمع الإقطاعي الموروث وإعادة تنظيم هيكل السلطة وأنظمة الحكومة كلها .
لقد تخيل عبد الناصر أن الحوافز للبناء والإزدهار هي المرحلة الثالثة من مراحل توعية الشعب والنهوض به وكان يعلم أن هناك بعض الوقت قبل الوصول إليها ولم يكن ليسلم بتفسير تشاؤمي للفرص التي أمامه فقد عرف بخبرته أنه لوحصل على مليار من الدولارات التي يحتاج إليه في خطته الخمسية وحتى لونجحت خطته الخمسية نجاحا كاملا بدون أي تعثر أو توقف وحتى لو بذل كل فرد في المجتمع المصري قصارى جهده وغاية طاقاته مستخدما كل الخبرة والمعرفة الأجنبية فإن أفضل ما يستطيعه حينئذ هو المحافظة على الوضع الراهن والحلولة دون تقهقر أكثر الى الوراء .
ومع كل هذا المجهودفلن تتوفر لقمة واحدة من الخبز كزيادة لأي فلاح ولن يكون هناك تعليم أفضل أو أي تحسين في أي شيء على الإطلاق وذلك لأن الزيادة القصوى في الإنتاج القومي تعادل زيادة عدد السكان …..