“كوباً من كاسترو الى كاسترو / محمد المشهداني/الشراع
88
الشراع 11 كانون ثاني 2023
في نهاية القرن التاسع عشر ، كانت كوبا على مشارف مستقبل جديد بعد خروجها من قبضة وهيمنة الاحتلال الإسباني الذي دام اربعة قرون”.
حروب السنوات العشر” ( ١٨٦٨_ ١٨٧٨” ) من اجل الاستقلال كلف كوبا كثيرا ، ساعدتها خلال ايام “الحرب الإسبانية الأمريكية” عام ١٨٩٨. التي اضر الصراع باستثماراتها في الجزيرة الكوبية ،لكن المساعدة لم تكن مجانية بالطبع بعد انسحاب الإسبان و “توقيع معاهدة باريس ١٨٩٨” فرضت الولايات المتحدة وصايتها على كوبا وأضافت لمسات على دستور البلاد الجديد ما يعرف في
“تعديل بلات” بين عامي ١٩٠٣ _ ١٩٣٤” أتاحت لها الفرصة التدخل في شؤون كوبا الداخلية من اقتصاد وسياسة وزراعة وصناعة طول ستة عقود مع استئجار و شراء الأراضي لإنشاء قواعد بحرية لاسيما ” خليج غوانتانامو ” ( وهي القاعدة التي ما زالت اميركا تحتجز فيها من تعتبرهم ارعابيين ؟) توالت حكومات وطنية على كوبا بعد الإستقلال ،بعضها أسهم في انتعاش الاقتصاد وخصوصا في تجارة السكر لكن معظمها اشترك في نشر الفساد على مستويات الدولة ،وتذبذبت العلاقات الإقتصادية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية .
كان آخر حكام كوبا الموالين لواشنطن هو ” الجنرال فولغنسيو باتيستا ” الذي تدخل في حكم البلاد بشكل مباشر وغير مباشر لسنوات ودبر في البداية عقد الخمسينيات انقلابا تحديدا العام ١٩٥٢.للاستيلاء على رئاسة البلاد مع الاعتراف الأمريكي بحكومته .حل الجنرال باتيستا كل الأحزاب السياسية وألغى الانتخابات وحق الإضراب ، أحبطت تلك السياسات الشعب وخاصة محاميا شابا كان ينوي المشاركة في الانتخابات البرلمانية فلم يجد حلا سوى اللجوء إلى الثورة ،هذا الشاب هو
“فيدل كاسترو” الذي جذبت شخصيته القيادية والسياسية عددا من المتمردين والثوار في كوبا والعالم ..كان كاسترو يأمل في إشعال انتفاضة عامة ضد الجنرال باتيستا فقام هو و١٦٠ من رفاقه بهجوم على ثكنة عسكرية في الجزيرة في ٢٦ يوليو / تموز عام ١٩٥٣. انتهت بالفشل و سجن كاسترو وأخاه راؤول ثم أطلق سراحهما ضمن مساعي الجنرال باتيستا عام ١٩٥٥. لتهدئة السخط المتنامي تجاه حكمه .
سافر الأخوان كاسترو إلى المكسيك وباشرا في تأسيس وتنظيم قوة عسكرية وسياسية عرفت باسم “حركة ٢٦ يوليو” .تسلل المقاتلون إلى كوبا وشنوا حرب عصابات على نظام الجنرال باتيستا ،وادت الاضطرابات إلى تعطيل الاقتصاد الكوبي بشكل خطير ،احرقت خلالها المزارع ومصانع السكر وتراجعت السياحة .. وأمام توالي نجاحات الثوار وسيطرتهم على كثير من مناطق البلاد ، انهار نظام الجنرال باتيستا بعد تخلي الدعم الأمريكي عنه. ودخل كاسترو العاصمة هافانا وأعلن فيها انتصار الثورة عام ١٩٥٩. وأصبحت كوبا على واقع جديد . فيدل كاسترو رئيس الوزراء وأخاه راؤول كاسترو نائباً له والمناضل الأرجنتيني الثوري تشي جيفارا الرجل الثالث في هرم القيادة
وعلى الرغم من اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية مبكرا بالحكومة الكوبية الجديدة الا ان العلاقات تدهورت سريعا بعد تأميم كاسترو للمصانع والمزارع بقصد إنهاء هيمنة الشركات الأمريكية الكبرى في البلاد ، وسرعان ما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية على كوبا أطول حصار وعقوبات اقتصادية في التاريخ الحديث عام ١٩٦٢. قدرت خسائره ب ١٣٠ بليون دولار على مدى ٦٠ سنة. كما مارست سياسات عدوانية تضمنت تشجيع قوى مضادة للثورة اوأحكام العزلة السياسية والدبلوماسية على النظام الكوبي .اتهم كاسترو واشنطن بمحاولة اغتياله والاطاحة بحكمه ونظامه عدة مرات ، من أبرزها إرسال قوات من الكوبيين المنفيين في عملية عرفت باسم ” غزو خليج الخنازير ” عام ١٩٦١.
في المقابل عززت كوبا التعاون الاقتصادي والسياسي والعسكري مع الاتحاد السوفييتي ، وظهر ذلك بوضوح عند سماحها بنشر صواريخ باليستية سوفييتية على أراضيها وهي خطوة كادت تسبب اندلاع حرب كبيرة ونووية فيما عرفت باسم “أزمة الصواريخ الكوبية”عام ١٩٦٢. وفي إطار الحرب الباردة بين العسكريين الشيوعي بقيادة موسكو والليبرالي بقيادة واشنطن. نشطت كوبا في دعم الثوار اليساريين وغيرهم في العالم خلال عقدي السبعينيات الثمانينيات القرن العشرين واقامت علاقات قوية مع أنظمة عربية مثل ” العراق والجزائر ومصر وليبيا”
بالإضافة إلى دعم كوبا وكاسترو القوي والمفتوح
“للقضية الفلسطينية” .
بحلول عقد التسعينيات تلقى الاقتصاد الكوبي ضربة قوية مع سقوط الاتحاد السوفيتي و اضطر كاسترو إلى فتح الباب جزئيا للاستثمارات الأجنبية ،والتركيز على السياحة خصوصا مع حليفين جديدين هما فنزويلا والصين .
وعلى الرغم مما تشهده كوبا من صعوبات اقتصادية حظي نظام كاسترو بنوع من الشعبية نتيجة إقامة نظام صحي و تعليمي بمتناول جميع سكان كوبا ، لكن آخرين يرونه حاكما طاغيا .
في النهاية لم تكن محاولات الاغتيال او الإطاحة به هي ما أنهى حكم كاسترو بل تدهور وضعه الصحي الذي دفعه للتنازل عن السلطة وادى لوفاته في يوم ٢٥ نوفمبر عام ٢٠١٦. تولى الرئاسة ومسؤولية البلاد شقيقه راؤول كاسترو في عام ٢٠٠٨. الذي حافظ على قبضة الحزب الشيوعي الكوبي الواحد على السلطة والحكم ، وتحسنت في عهده العلاقات الكوبية الأمريكية على الرغم من بقاء العقوبات عادت العلاقات الدبلوماسية وقام آنذاك باراك أوباما بزيارة تاريخية للجزيرة الكوبية ومع تقاعد راؤول كاسترو عن الحياة السياسية رسميا عام ٢٠٢١. تطوي كوبا صفحة طويلة من تاريخها امتدت لستة عقود من حكم الأخوين كاسترو.