رابحون وخاسرون بخروج عون وباسيل من القصر الجمهوري خاص- “الشراع”

الشراع 9 كانون ثاني 2023

ما من شك بان هناك رابحين وخاسرين من انتهاء ولاية ميشال عون الرئاسية وخروجه مع صهره جبران باسيل من القصر الجمهوري .

وثمة زعامات وشخصيات وقوى  تنفست الصعداء في الحادي والثلاثين من شهر تشرين الاول –  اكتوبر الماضي. وهي التي كانت تعد الايام بكثير من الصبر قبل حلول اليوم المذكور، ليس فقط للتخلص من حكم رئيس لا هم له ولفريقه سوى العمل على النيل منها بل وايضاً للخروج مما سمي عهد جهنم وهي التسمية التي باتت العنوان الابرز الذي تستخدمه شرائح واسعة من المجتمع اللبناني او جمهورياته لتوصيف  ما شهدته السنوات الست السابقة.وعلى احد تعبير زعيم بارز فان كابوساً قد انتهى بخروج عون من الرئاسة وعودته الى منزله في الرابية.

واذا كان عهد الياس الهراوي شهد وقف الحرب في لبنان بعد اتفاق الطائف ، ليكمل اميل لحود في عهده الامر باعادة بناء المؤسسات وفي مقدمتها الجيش ، قبل ان يتولى ميشال سليمان في عهده مواجهة الازمات ولا سيما المحيطة بلبنان من خلال سياسة النأي بالنفس ، فان عهد ميشال عون شهد تحلل المؤسسات ودولرة الاقتصاد وانهيار قيمة الليرة اللبنانية وتحول البلاد في ظل سياسة لبنان القوي الى ساحة للصراعات وتصفية الحسابات وسياسات الكيدية، هذا فضلا عن حالة العزل إقليمياً ودولياً التي تعيشها البلاد من جراء السياسات المشار اليها.

واذا كان من الظلم تحميل ميشال عون وحده وكذلك فريقه مسؤولية ما حصل في لبنان من نكسات ومحن وفواجع ، فان توجهاته وسياساته واساليبه المتدرجة في افتعال الازمات ادت دوراً كبيراً في الدفع بالامور باتجاه الانزلاق نحو الهاوية التي يعيش لبنان وشعبه مآسيها اليوم وهو الذي لم يكن من هم له مع فريقه سوى رمي الاتهامات على الاخرين لتحميلهم وزر الازمات ليقول بالحرف: “ما خلونا”، متحدثاً عن ان ما يجري هو نتيجة لسياسات مرّ على تنفيذها عقود لا سيما على صعيد السياسات المالية والاقتصادية في تنظيرات وتبريرات لا هدف لها الا تبرئة نفسه والدفاع عن سياساته وتشويه صورة الاخرين.

وما ورد لا يهدف الى اجراء محاكمة لاداء عون وسياساته وبالاجمال عهده والحديث عما شهده من سلبيات وايجابيات ، فهذا الامر قد يحتاج الى مطولات في ايراد تفاصيل ما قام به فريقه ولا سيما لجهة محاولة خلق اعراف جديدة على حساب ما هو معتمد في الدستور،في اطار محاولات قولبة اتفاق الطائف بما يخدم موقعه .  فالأهم الان هو الاضاءة على ما يمكن وصفه تداعيات انتهاء عهد عون ، لا سيما وان المتضررين من ذلك وفي مقدمتهم النائب جبران باسيل على رأس التيار الوطني الحر يخوضون معركة عنوانها الحؤول دون محاسبتهم على ما ارتكبوه خلال السنوات الست السابقة وعلى محاولة تحصين مواقعهم ومكاسبهم من خلال عدم فتح ملفاتهم لا سيما الكوارثية منها وفي مقدمتها ملف الكهرباء نتيجة الاعباء الضخمة التي تكبدها لبنان  وتتجاوز الاربعين مليار دولار من جراء ادارتهم لهذا القطاع التي أدت الى العتمة الشاملة .

ولهذا السبب ،فان معركة باسيل الهجومية حالياً في اكثر من اتجاه وعلى غير صعيد هي معركة دفاعية بامتياز ، ولا هدف لها الا لجم ما يعتقد فريقه ان الخصوم وهم الاكثرية الساحقة من القوى السياسية بصدد القيام به من اجل فتح ملفاته وتصفية مواقعه في السلطة ومؤسساتها واداراتها. وتحويله الى مجرد طرف او فريق له حجمه العادي وغير المنتفخ على غرار ما كان عليه خلال ولاية عون او بعد ما سمي بتسونامي العوني الذي  أتاح له في العام 2005 النيابية الحصول على ما نسبته سبعين بالمائة من اصوات المسيحيين.

واذا كان شائعاً ان الهجوم هو خير وسيلة للدفاع، فان جبران باسيل يعتمد هذه القاعدة حالياً، اعتقاداً منه بان هذا الامر يحول دون وضعه في حجر سياسي يبعده نهائياً عن السلطة التي لا هم له الا الحفاظ عليها، وهو الذي لم يترك له “صاحب ” او حليف في طول البلاد وعرضها.

ولذلك فان الكباش الحاصل حول موضوع انعقاد مجلس الوزراء في ظل حكومة تصريف الاعمال ، والسجال حول المراسيم الجوالة والخلاف على الصلاحيات في ظل الشغور الرئاسي ، ليس موضوعاً عادياً ولاسيما بالنسبة لباسيل. لان تسليمه بما يريده الرئيس نجيب ميقاتي والمتهمون بالوقوف خلفه من قبل فريقه يعني حسب اعتقاده انه ستتم ممارسة كل ما يمكن ممارسته عبر السلطة الاجرائية ضده. ليس فقط من خلال تمرير ما كان عون يرفضه خلال ولايته ، وانما ايضاً فتح ملفات تولى اتباع جبران ادارتها والعمل فيها، هذا فضلاً عن الذهاب الى تعيينات تحت عناوين الضرورة لابعاد كل من له صلة بجبران وعمه والتيار في الادارات واختيار  معارضين لهم لاستخدامهم في عملية تصفية الحسابات .

ولا شك بان سمير جعجع هو ابرز الرابحين من انتهاء ولاية عون ، خصوصاً بعد ان خابت الآمال التي كان يعلقها على تقاسم السلطة والتمثيل المسيحي فيها وفقاً لما تم الاتفاق عليه في تفاهم معراب بعد انكشاف بنوده السرية والتي لم يتم الالتزام بها من قبل عون وصهره اللذين عملا على الاستئثار بكل المواقع المسيحية في المؤسسات وهي تصل الى النصف . كما ان سعي رئيس حزب القوات الى تنمية حضوره الشعبي والتمثيلي المسيحي على حساب التيار حقق نجاحات ولو نسبية في الانتخابات النيابية الاخيرة. وباتت مواجهة القواتالتنافسية مع التيار اليوم بعد انتهاء ولاية عون هي مواجهة تنظيم لتنظيم ولم تعد مواجهة بين تنظيم وسلطة تدعم او تتبني تنظيماً.

والحبل على الجرار في سياق الحديث عن الرابحين من خروج عون وصهره من السلطة ، وفي مقدمة الشخصيات او الزعامات الرابحة على هذا الصعيد هو الرئيس نبيه بري الذي كان له رده القاسي والبليغ على ما قاله عون بحقه مؤخراً، هذا فضلاً عن وليد جنبلاط ومعظم القيادات السياسية التي كانت لها تجارب قاسية وصعبة لا بل مريرة مع سياسات العهد الذي درج على تسميتها بقوى المنظومة المتحكمة بالبلاد والتي تسببت حسب مواقفه في الانهيار الحاصل في كل المجالات والميادين والقطاعات .

هذا من دون نسيان الرئيس نجيب ميقاتي الذي عانى الامرين خلال عهد ميشال عون مثله مثل الرئيس سعد الحريري الذي يحتفظ بالكثير مما يمكن ان يدلي به عن طريقة وأسلوب وماهية التعاطي العوني الفوقي معه سواء من قبل رئيس الجمهورية او صهره. ومعاناة ميقاتي ليست فقط في تشكيل الحكومة التي يرأسها والحكومة التي كلف بتشكيلها بعد الانتخابات وحالت شروط عون غير العادية دون تشكيلها كما حصل من قبل مع السفير مصطفى اديب ، بل تتجاوز ذلك الى كل ملف كان يطرح في مجلس الوزراء او بين الرئيسين.

اما الخاسرون من خروج عون وباسيل من بعبدا، فان اعدادهم شبه معدومة مقابل الذين ربحوا من خروجه  وهم كثر سواء كانوا شخصيات بوزن كريم بقرادوني او ايلي الفرزلي دون اغفال شخصيات تتولى مسؤوليات هامة وحساسة في المال والاقتصاد والامن والقضاء  ، او قوى وتنظيمات بوزن تيار المردة والحزب السوري القومي الاجتماعي وحتى حزب الطاشناق. هذا في حين  ان ما يشاع عن حزب الله في هذا الصدد وعن انه المتضرر الأول او الخاسر الأكبر،فهو جزء من عمليات الاستهداف السياسي له كما يقول مصدر مقرب من الحزب. والبرهان على ذلك كما يضيف المصدر نفسه هو الحملة التي شنها باسيل على الحزب بعد ان شارك ممثلوه في جلسة مجلس الوزراء اليتيمة التي عقدتها حكومة تصريف الاعمال حتى الان ولضرورات تتعلق بتسيير شؤون المواطنين ولا سيما الصحية منها.مع الإشارة كما يتابع المصدر عينه الى ان حزب الله سعى الى دعم التيار الوطني الحر وموقع رئاسة الجمهورية من منطلق التزامه بتفاهم مار مخايل ولم يخل بالتزاماته في هذا الدعم وكانت له بصمته الدامغة في انقاذ باسيل وتياره من هزيمة مدوية في الانتخابات النيابية الأخيرة.

ولذلك فان هناك خاسراً واحداً بشكل اجمالي من خروج عون من رئاسة الجمهورية . واذا كان البعض يبالغ في القول بان الجميع ربحوا بخروجه من قصر بعبدا ولا سيما أبناء الشعب اللبناني، فان التحدي الماثل امام الجميع اليوم هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية يعيد لهذا الموقع هيبته والثقة به ، وهذا الامر هو بيت القصيد من اجل إعادة الانتظام الى المؤسسات وعملها ودورها في شتى الميادين والحقول والقطاعات واستعادة حضور الدولة كحاضن للمواطن في كل لبنان من النهر الكبير شمالا وحتى راس الناقورة جنوباً مروراًبكل المناطق والمحافطات.

مجلة الشراع