عيسى ومحمدٌ عليهما السلام أخوان / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 22 كانون اول 2022

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{وقال المسيح يا بني إسرآئيل اعبدوا الله ربي وربَّكم إنه من يُشرك بالله فقد حرَّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما  للظالمين من أنصار} سورة المائدة.

إنها عين الدعوة التي جاء بها سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم، عبادة الله تعالى وحده، تلك كانت دعوة المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام دعا إليها بني إسرائيل وهي نفسها دعا إليها محمدٌ صلى الله عليه وسلم كفَّار قريش وغيرهم من سائر أمم الناس، وتلك كانت دعوة جميع الأنبياء عليهم السلام، قال تعالى:{قل ما كنت بِدعًا من الرُّسل} سورة الأحقاف. قال الرازي في “التفسير الكبير”: “إنه ليس بِدعًا من الرسل وإنما هو مثل غيره يَدَّعي ما ادَّعاه الرسل ويقرره”. أي لم يأت سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم ببدعةٍ أحدثها على غير مثال سابقٍ بل جاء بما سبقه به المرسلون من الدعوة إلى توحيد الله تعالى وتنزيهه عن صفات المخلوقين واعتقاد أنه لا يستحق أحدٌ العبادة إلا الله فالله هو الخالق الرازق العالم القدير الفعَّال لما يريد.

أولئك المرسلون الكرام الذين بعثهم الله تعالى في أوقاتٍ زمنيةٍ مختلفةٍ وعصورٍ متفاوتةٍ لحكمة منه سبحانه أوجب علينا الإيمان بهم جميعًا فقال في كتابه الكريم:{ءامن الرسول بمآ أُنزل إليه من ربه والمؤمنون كلٌ ءامن بالله وملائكته وكتبه ورُسله لا نُفرق بين أحدٍ من رسله} سورة البقرة. قال القرطبي في “تفسيره”: “يعني يقولون (أي المؤمنون) لا نفرق بين أحدٍ من رسله يعني يقولون آمنا بجميع الرسل لا نكفر بأحدٍ منهم”.

قلتُ: أي لا نؤمن ببعضٍ ونكفر ببعض ونعتقد أن من قال أنا أؤمن بكل الأنبياء إلا بإبراهيم أو إلا بموسى أو إلا بعيسى أو إلا بفلانٍ ممن اشتهرت نبوتهم بين المؤمنين فليس بمؤمن، ومن كفر بواحدٍ منهم كان كمن كفر بهم كُلِّهم.

وقد ختم الله الأنبياء بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وشرَّف أمته على سائر الأمم القَبْلية وجعل الله تعالى نبينا محمدًا أولى الأنبياء بعيسى وجعل أمته أولى الأمم بعيسى عليه السلام فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتَّى ودينهم واحد” رواه البخاري.  وفي الحديث تشبيهٌ من البلاغة بمكان، والعلَّات الضرائر وأصلُه أن من تزوَّج امرأةً ثم تزوج أخرى كأنه علَّ منها، والعَلل الشرب بعد الشرب، وأولاد العلَّات هم الإخوة لأبٍ واحدٍ وأكثر من أم.فالأصل العقيدة وهي واحدةٌ عند جميع الأنبياء لا خلاف فيها، أما الأحكام العلمية فقد وقع فيها اختلافٌ بين شريعة نبيٍ ونبيٍ آخر وقد كانت آخر شرائع أنبياء بني إسرائيل هي شريعة عيسى عليه السلام وبعدما لبث عيسى عليه السلام في الأرض ما شاء الله أراد اليهودُ قتله فنجَّاه الله منهم ورفعه إلى السماء الثانية حيًّا،وكان فيما بين رفعِه عليه السلام إلى السماء وبعثةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم نحو ستمائة عام ثم نُسخت شريعته بشريعة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا يزال سيدنا عيسى عليه السلام في السماء الثانية حيًّا إلى أن ينزل في آخر الزمان كما دلَّت على ذلك الآثار الثابتة عن نبينا صلى الله عليه وسلم ويحكم في الناس بشريعة خاتم الأنبياء محمدٍ صلى الله عليه وسلم وينصر الله تعالى به الحق المبين.

الإيمان بعيسى عليه السلام من أصول الدين

وقد كان من شأن نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم أن أكَّد على أمته الإيمان بعيسى عليه السلام بل وبسائر الأنبياء الكرام، فعن عبادة بن الصَّامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل” متفقٌ عليه. ومعنى وكلمته ألقاها إلى مريم أن المسيح عليه السلام بشارة الله تعالى لمريم التي بشَّرتها بها الملائكةُ بأمر الله قبل أن تحمل به كما دلَّ على ذلك قولُ الله تعالى إخبارًا عن جبريل عليه السلام:{قال إنمآ أنا رسولُ ربك لأهب لك غلامًا زكيًّا} سورة مريم. ومعنى وروحٌ منه أن روح المسيح عيسى عليه السلام مخلوقةٌ لله وُجدت بإيجاده تعالى والإضافة هنا للتشريف لا للجزئية فإن الله تعالى منزهٌ عن التجزي. وقوله والجنة حقٌ والنار حقٌ معناه موجودتان وباقيتان وجودهما ثابتٌ فالجنة دار جزاءٍ للمؤمنين والنار دار جزاءٍ للكافرين، وقد استفاد العلماء من قوله “أدخله الله الجنة على ما كان من العمل” أن من داوم على قراءة هذه الشهادة بتمامها كل يوم مع اعتقاد معناها يوفِّقه الله للعمل الصَّالح فيحسن ختامه فيدخل الجنة. وجاء في كتاب “حُسن المحاضرة للحافظ السيوطي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الصحابي حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية يدعوه إلى الإسلام وحمَّله رسالةً جاء فيها: “ولسنا ننهاك عن دين المسيح (الذي هو الإسلام)ولكننا نأمرك به”. فانظر كيف أكَّد النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة الإيمان بعيسى عليه السلام ودعا إلى دين عيسى لأنه نفس دين محمدٍ عليهما السلام وهو الإسلام وهذا ما فهمه النجاشي ملك الحبشة قديمًا وأصحابُه فأسلموا، وكان النجاشي قد بعث اثني عشر رجلًا سبعة من القسيسين وخمسة من الرهبان فلما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن بكوا وآمنوا. وكان النجاشي قد آمن على يد جعفر بن أبي  طالب حين سمع منه بعض ما  في سورة مريم. وقيل: رجع هؤلاء إليه فأخبروه فآمن وفيهم نزل قول الله تعالى:{ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون} سورة المائدة. قاله ابن الجوزي في زاد المسير”.

هذا وقد وتكلمنا في مقالٍ سابقٍ بعنوان “السيِّد المسيح عليه السلام عن مولده وبعض خبره الشريف فلينظره مريد الفائدة وإنما اقتصرنا في مقالنا هذا على موافقة عيسى ومحمدٍ عليهما السلام أحدهما الآخر في العقيدة فليُعلم هذا فإنه مهمٌ.

والحمد لله أولًا وآخرًا.

محلة الشراع