كمال جنبلاط السياسي وكمال جنبلاط المفكر/ بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
94
الشراع 14 آب 2022
قبل اغتياله بأيام معدودة فاجأ كمال جنبلاط صديقا له بقوله ،
” قالوا لي أنك خبير بتفسير الأحلام: شو بتفسر هالحلم؟
شفت بنومي المرحوم والدي راكب على حصان وبس لمحني نزل عن الحصان وعانقني ” فتعجب الصديق لاهتمامه وهو المفكر الكبير بما اتفق له وهو نائم ، فقال جنبلاط :
“ياعمي من كام يوم فجروا قنبلة على مدخل بيتي ، مين عارف يمكن يلحقوني بمعروف سعد قلبي حاسسني إني رايح روح قتل ” .
كمال جنبلاط السياسي وكمال جنبلاط المفكر لم يسبر أغواره أحد ، كانت والدته السيدة نظيرة تلقى مشقة في تفسير تصرفاته وهو بعد حدث شب عن الطوق ، فلما بلغ أشده أقنعته والدته بعد لأي بحمل أعباء الزعامة الجنبلاطية والتصرف حيال الناس على هذا الأساس ، غير أن الزعامة الموروثة لم تنسه الأفكار والمبادئ التي تشّبع بها بفضل إقباله على المطالعة .
قال بعد أيام من انتخابه نائبا للمرة الأولى ” ياعمي السياسة متعبة وأتعب منها الزعامة ، بس ما في إلي مهرب من التنين كنت بفضل أعمل مزارع وأهتم بالرزقات والمزارع السايبة ، وعقلي بيقلي وزع شوية أراضي على الفلاحين وبهيك بخفف مشاغلي وبرضي نزعتي الإشتراكية ” .
لكن،إشتراكية كمال جنبلاط ما جردته من طيلسانه الأرستقراطي ولا استطاعت تحريره من التقاليد الموروثة ، فكمال جنبلاط درج على مهادنة الرؤساء الذين ما وجدوا غضاضة في جعله شريكا في الحكم ، أما الذين جربوا التعامل معه كما يتعاملون مع سائر الزعماء فقد أتعبهم وأمضّهم بحملاته العنيفة ومواقفه المتطرفة .
والرئيس الوحيد الذي داراه جنبلاط هو فؤاد شهاب الذي أشرك سيد المختارة في الحكم إشراكا فعليا إتقاء لنقمته …
غير أن جنبلاط بدأ يغمز من قناة فؤاد شهاب ومكتبه الثاني قبل عامين من إنتهاء الولاية ولما فاتحه أحد المقربين مستوضحا أسباب نقمته ، فقال له جنبلاط ” فؤاد شهاب آدمي ودرويش بس جماعتو اللي مصلتهم عالناس مش إوادم .
تصور إنهم بلشوا يضايقوا جماعتي بالشوف والمتن الأعلى ، واحد صادروا منو فردو والتاني شلحوه شوية دخان مهرب ، أنا مع النظام والقانون بس يطبقوهم على الكل وبعدين شو مش عارف رئيس الجمهورية أن ضباط المكتب الثاني عبيحمو اللي بيهربو دخان وبيتاجروا بالسلاح . ؟“
ولدى سؤاله عن انتخاب رئيس جديد قال :
ريمون إدهخرجها وزيادة بس لازم يتقرب من المسلمين أكتر ويطريها شوي مع الفلسطينية وأنا مستعد أيدو أذا رفض فؤاد شهاب التجديد بس بشرط يجي ويزورني ويطلب مساعدتي ، وعلى كل حال المسلمين وأنا منهم ما بوافقنا يجي رئيس قوي ، ولما قيل له المسلمين شي والدروز شي قال :
” مين قلك ؟ هيدا كلام بيقولوعدنان الحكيم للناس لأنو ما بيريدني سيطر على الشارع الإسلامي .
سئل الرئيس شارل حلو :
شو كانت شروط كمال جنبلاط حتى يوافق على إنتخابك ؟
فأجاب وافق من دون شروط بعد ما بلغو أن عبد الناصر ما إلو إعتراض على إنتخابي …
لكن عضو في جبهة النضال الوطني قال :
اشترط كمال بيك تسليمو وزارة الداخلية وموافقة رئيس الجمهورية على حرية العمل الحزبي وقبل شارل حلو بدون مناقشة .
ذكاء جنبلاط وبعد نظره وقدرته الفائقة على التأثير في الجماهير لا يختلف فيها إثنان وقد وصفه الشيخ بشارة الخوري بعد اعتزاله بأنه ألعبان من الطراز الأول وأن تأثره بمكيافيلي يجعل منه سياسيا زئبقيا لا يمكن الركون لمواقفه المعلنة ليس لأنه باطني بل لأنه يعتقد أن السياسي الناجح هو الذي يُلبس لكل حالة لبوسها وأن ليس في السياسة صداقات دائمة ولا قطيعة دائمة .
إن جنبلاط المفكر ما ادعى قط كونه فيلسوفا ، لكنه يعتبر نفسه أكثر الشرقيين إستيعابا لأفكار الغرب …
قيل له أن الرئيس عبد الناصر ككل إنسان ليس معصوما بعد ما أخذ عليه تحيزه له تحيزا أعمى فقال وهو يبتسم ” هذا كلام ريمون إده فأنا متحيز لعبد الناصر لأنو قوي ولأن مصر الفرعونية صارت بأيامو دولة عربية مين عارف يمكن غيّر رأيي فيه إذا ضعف ” .
قيل له ” ولّو كل رجال السياسية ورجال الفكر مش معبيين عينك ؟
كميل شمعون بتظلمو وقت بتقول إنو أمي ، شارل حلو مفكر كبير ومثلو جواد بولس وشارل مالك و… ” فتضاحك جنبلاط قبل أن يجيب كل هودي بيبيعهم غسان تويني وبيشتريهم بمصرية ..
ياعمي كل هودي اللي بتسموهم زعما وأقطاب وأركان سخفا وما فيش أسهل من بلفهم والضحك على ذقونهم .
فالزعيم المسلم الوحيد اللي كان ذكي وفهيم هو رياض الصلح والمسيحي الوحيد اللي عندو مخ مرتب هو غسان تويني ولو كان غسان صاحبي ومانو زايدها بمسايرة كميل شمعون وبقدر إتفاهم معو كنت بعمل منو رئيس جمهورية رغم كونه أرثذوكسيا .