إيطاليا وبداية النهوض الأوروبي بتأثير من الحضارة العربية والإسلامية/ بقلم عبد الهادي محيسن/الشراع
67
الشراع 20 تموز 2022
ساعد فلاسفة العرب والمسلمين على تقريب الفلسفة اليونانية الى العقل الأوروبي بفضل حركة الترجمة من العربية الى اللاتينية في إيطاليا وإسبانيا فضلا عما قدموه من نتاجهم الفكري في الشرق والغرب ، وفي القرن الثالث عشر ظهرت ثمرات الفكر الوسيط باتجاهاته المتنوعة فقد نادى فيلسوف الإسلام الغزالي مثلا بالتصوف والإيمان بينما آثر ابن رشد العقل والمنطق في سبيل الوصول الى الله .
وظهرت نزعة قوية للتوفيق بين العقل والدين وأسهم بذلك ابن رشد وابن ميمون ، وأفاد البيرتو الكبير فيلسوف إيطاليا من شروح ابن سينا وابن رشد لفلسفة أرسطو وحاول أن يكمل فلسفتهبمستكشفات العلم واستخدم الفلسفة في فهم اللاهوت ، وكذلك تأثر القديس توما الأكويني زعيم الفلسفة المدرسية بروح العصر وعمل على التوفيق بين العلم والدين وقام بتنصير فلسفة أرسطو وجعلها ملائمة لتعاليم الكنيسة وإن كان قد خالف ابن رشد وعارضه في بعض نزعاته العقلية .
ثم جاءت جهود طائفة من أحرار الفكر وأولهم روجر بيكون الذي دعا الى التجربة في العلم وظهر أبيلار الفرنسي الذي قال بأنه لا يجوز للإنسان أن يؤمن دون أن يفهم وبذلك جعل العقل قبل الإيمان بشكل صريح وذلك بتأثير من فلسفة ابن رشد ، ووجدت هذه الآراء بيئة صالحة في إيطاليا إذ كانت قد نشأت بها أقدم جامعة في العالم بالمعنى الحديث في مدينة بولونيا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر .
ومن الشخصيات البارزة في هذا العصر الأمبرطور فريدريك الثاني الذي عاش في نابولي وصقلية ، كان فريدريك رجلا واسع الأفق متعدد الجوانب وسماه دانتي بالرجل العالم وسماه أهل العصر ” أعجوبة الدنيا ” ، حاول فردريك توحيد إيطاليا والسيطرة على البابوية فلعنه البابا واعتبره أسوأ من الشيطان .
التقى فردريك برجال الملك الكامل ابن صلاح الدين في الشام سنة 1229 م لا للحرب والقتال بل لعقد معاهدة تجاه أعدائهما من المسيحيين والمسلمين على السواء ويعتبر ذلك نقطة تحول في العقلية الأوروبية في عصر الحروب الصليبية ومن ناحية العلم فقد تعلم فريدريك العربية وجمع حوله العلماء العرب والمسلمين ودرس بنفسه علوم العصر وتأثر بآراء ابن رشد .
ظلت صقلية في عهد النورمان وفي عهد الجرمان وعلى الأخص زمن الأمبراطور فردريك الثاني مركزا للعلم والمعرفة ودرس بعض الرهبان المسيحيين اللغة والثقافة العربية وعرف العالم الأوروبي آراء المسلمين في عالم ما بعد الحياة وانتشرت هذه المعرفة في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا وإنجلترا ودرست أقوال المسلمين في هذا الصدد وعلى الأخص آراء ابن رشد وابن سينا .
وفي القرن الحادي عشر كتب الإيطاليون شعرهم باللغة الفرنسية ثم كتبوه بلغة البروفانس التي تأثر أدبها بأدب التروبادور بما يحتويه من عناصر التراث العربي الإسلامي الشرقي والذي تناول الطبيعة وعواطف الإنسان ، وفي أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر بدأت تظهر اللهجات العامية المتعددة التي كانت مزيجا من اللاتينية ولهجات الغزاة البرابرة .
فكانت بداية ولادة اللغة الإيطالية من رحم هذه اللهجات وبدأت بعض مراحل نشوء اللغة والأدب الإيطالي الوليد ثم جاءت المدرسة الصقلية في النصف الأول من القرن الثالث عشر وقد تأثر أدبها بالتراث اللاتيني وبثقافة الشرق والعرب والمسلمين واتخذت مدرسة بولونيا لهجة تسكانا أداة لها وهي اللهجة التي ستصبح اللغة الإيطالية .
وترجم القرآن لأول مرة الى اللغة اللاتينية في النصف الأول من القرن الثاني عشر وعرفت صور من الإسراء والمعراج الإسلامي بلغات مختلفة في أوروبا وظلت هذه الصور تتواتر في كتابات العلماء ورجال الدين والأدباء في أوروبا حتى أواخر القرن الخامس عشر ومثال ذلك قصيدة فاتزو دلي أوبرتي بالإيطالية عن معراج النبي محمد ، وما كتبه ريكورديلو دا بينينو الراهب الدومنيكي الفلورنسي عن العرب في مطلع القرن الرابع عشر.
وفي العصور الحديثة درس بعض المستشرقين مسألة العلاقة بين الكوميديا الإلهية لدانتي والتراث الإسلامي ومن الأمثلة على ذلك المستشرق الإسباني بلاثيوس الذي وضع سنة 1919 م كتابا بالإسبانية عن أثرالعلم الإسلامي لما بعد الحياة في الكوميديا الإلهية ثم وضع له ملخصا بالإسبانية ترجم الى الإنكليزية ، وكان هناك إتجاه الى ترجمة الأصل الكامل الى الفرنسية .
وبعد درس من هذا العلامة لموضوعه لمدة نحو عشرين سنة ، ووازن بين كوميديا دانتي ومؤلفات بعض متصوفي الإسلام مثل محي الدين ابن عربي ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري وكتابات المحدّثين والمفسرين وبعض صور الإسراء والمعراج النبوين وتكلم عن أوجه الشبه بينها وبين عوالم الجحيم والمطهر والفردوسلثلاثية دانتي الشهيرة .
وفي سنة 1949 أصدر أنريكو تشيرول المستشرق الإيطالي مؤلفا بعنوان ” كتاب المعراج ومسألة المصادر العربية الإسلامية للكوميديا الإلهية ونشر في كتابه الترجمة اللاتينية والفرنسية القديمة لإحدى صور المعراج الإسلامي وقام بالترجمة ابراهيم الحكيم الطبيب اليهودي من أصول عربية سنة 1264 م .
كانت الفرصة إذا سانحة أمام دانتي لكي يلم بعلم ما بعد الحياة عند المسلمين بطريق غير مباشر ومن المحتمل أنه اطلع على الترجمة اللاتينية والفرنسية للمعراج الإسلامي المشار إليه ولا يستبعد أنه استمع الى الرهبان الذين كانوا على علم برأي الإسلام وعلماء المسلمين عن عالم الآخرة .