اللجوء إلى الله/ بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع

الشراع 2 حزيران 2022

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {واذكر اسمَ ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلًا} سورة المزَّمل.

إن ممَّا يجب على المؤمن أن يُعظِّم الله تعالى ويخضع له فإن الله أكبر من كل كبيرٍ قَدْرًا وهو نافذ المشيئة فلا رادَّ لما قضى ولا مانع لما أعطى ولا مُعطي لما منع وهو الملك الحق الخالق للأشياء بإبرازها من العدم إلى الوجود، وجديرٌ بالعاقل أن يستحضر في قلبه أن الله يراه ويعلم به وأنه قادرٌ عليه فيستشعر بذلك الخشوعوالخشية من الله، ومتى ما تمكَّن ذلك في النفس حمَله على أداء الواجبات واجتناب المحرمات واللجوء إلى الله والتوكُّل عليه في كل حال، وقد أُمرنا بتعظيم الله كما استُفيد ذلك من الآية.

قال البغوي في تفسيره:”واذكر اسم ربك بالتوحيد والتعظيم (أي دُم على ذلك) وتبتَّل إليه تبتيلًا قال ابن عبَّاسٍ وغيره أخلص إليه إخلاصًا. أي اقصد بعملك طلب رضا الله وحده. وفيه: “وقال سفيان: توكل عليه توكلًا. والتوكل على الله معناه الاعتماد عليه وذلك بأن تعتقد جازمًا أنه لا خالق لشىء من المنافع والمضارّ إلا الله ولا يكون إلا ما شاء الله. وفي تفسير البغوي أيضًا: “وقيل: انقطع إليه في العبادة انقطاعًا” أي أقبل على العبادة كما أمر الله ولا تترك ما أوجبه الله عليك لأجل التَّشاغل بالدنيا. واعلم أن الذي خلقك وكلَّفك قادر أن يرزقك ويكفيك أمر دنياك فأطع ربك كما أمر وهو يرزقك كما وعد، وكن واثقًا بالله فهو مالك الدنيا والآخرة فإن احتجت لأمرٍ دنيويٍ أو أردت الفلاح في الآخرة فاطلب ذلك من مالك الملك عزَّ وجلَّ،واعمل بالأسباب التي شَرَعها رب العالمين.

الله الكافي الغنيّ

وتأمَّل معي هذا الحديث العظيم المتضمن الحث على اللجوء إلى الله فحريٌ بنا أن نتفكَّر في مضامينه الجليلة فقد قال النووي في “رياض الصَّالحين”: كان أبو إدريس الخولاني (راوي الحديث الآتي عن أبي ذر) إذا حدَّث بهذا الحديث جَثَا (جلس) على رُكبتيه” أي تعظيمًا وإجلالًا لله. وفيه أيضًا: عن الإمام أحمد قال: “ليس لأهل الشام حديثٌ أشرف من هذا الحديث” وذلك لأن كل رُواة هذا الحديثمن الشيخ النووي إلى أبي ذرٍّ عن النبي صلى الله عليه وسلم دمشقيُّون أو دخلوا دمشق وقد دخل أبو ذرٍّ دمشق وكان بها مدةً وهو حديثٌ قُدسيٌ أي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العالمين.

فعن أبي ذَرٍّ الغِفاري عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه عزَّ وجلَّ قال: يا عِبادي إني حرَّمت الظلم على نفسي (نزَّهت نفسي عن الظلم) وجعلتُه بينكم مُحرَّمًا فلا تظَّالموا. يا عبادي كلكم ضالٌّ (غافلٌ) إلا من هديته فاستهدوني (اطلبوا مني الهداية) أهدكم. يا عبادي كلكم جائعٌ (من شأنه أن يكون جائعًا) إلا من أطعمته (بواسطة الاكتساب بالصنائع أو بدونها) فاستطعموني (اطلبوا مني الطعام) أطعمكم (بواسطة الاكتساب أو دونه). يا عبادي كلكم عارٍ(من شأنه العُري من حين ولادته) إلا من كسوته (يسرت له أن يكتسي)فاستكسوني (اطلبوا مني الكسوة) أَكْسُكُم (بواسطة الكسب أو غيره). يا عبادي إنكم تُخطئون بالليل والنهار (والمخاطب بهذا غير الأنبياء لأنهم معصومون) وأنا أغفر الذنوب جميعًا (ما عدا الكفر لمن مات عليه) فاستغفروني (اطلبوا مني المغفرة)أغفر لكم. يا عبادي إنكم لن تبلُغوا ضَرِّي فتَضُرُّوني ولن تبلغوا نَفعِي فتنفعُوني. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَّكم قاموا في صعيدٍ واحد فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقُص المِخْيَطُ (الإبرة) إذا أُدخل البحر.يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أُوفِّيكم إيَّاها فمن وجَد خيرًا فليَحمَد الله ومن وجَد غير ذلك فلا يلُومنَّ إلا نفسه” رواه مسلم.

في هذا الحديث حثٌّ وترغيبٌ عظيم باللجوء إلى الله تعالى في كل شىء فإن الله تعالى لا يُخيِّب مؤمنًا تضرَّع إليه مخلصًا، وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة فقال: لِيسألْ أحدُكم ربه حاجته كُلَّها حتى يسألَ شِسع (ما يُشدُّ به النعل) نعله إذا انقطع” رواه الترمذي عن أنس. فإن الله تعالى هو مالك الملك فلا تنفعه طاعةُ طائع بل هو غني عن العالمين ولا تضرُّه معصية عاصٍ ولا يناله من الناس أذىً، ولو بلغت القلوب كلها في التقوى والنقاء الغاية أو لو اتفقت القلوب كلها على الفجور لا ينال اللهَ من ذلك شىءٌ، ولو قام الإنس والجن في صعيد واحد أي مقام واحدٍ وأرضٍ واحدة فسألوا الله فأعطى الله كل سائلٍ مطلوبه ما نقص من ملك الله شىء، وكما أن الإبرة إذا أُدخلت في البحر فعلق بها بللٌ لا يُنقص هذا من البحر في رأي العين شيئًا كذلك لا يُنقص الطلبُ من الله من ملكه تعالى شيئًا.وبالتالي جديرٌ بمن أيقن بهذا، والحق أنه لا يرتاب في ذلك أحدٌ من المؤمنين، أن يُقبل على طاعة الله ويتوكَّل عليه فإنه لا رادَّ لما قضى الله وإنما الدنيا دار امتحان فإنما هي أعمالنا يُحصيها الله تعالى بعلمه وتكتبها الملائكة الحفظة في صحف الأعمال ثم توفَّى كل نفسٍ ما عملت أي تُجازى على ذلك يوم القيامة، فمن وفَّقه الله لعمل الخير فليحمد الله فلولا الله لما اهتدى المهتدون وقد قال الله تعالى إخبارًا عن أهل الجنة أنهم يقولون:{الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنَّا لنهتدي لولآ أن هدانا الله} سورة الأعراف.

ومن وجد عمله على خلاف ذلك أي قدَّم شرًا بأن كان اقترف الحرام تلو الحرام فلا يلومنَّ إلا نفسه لغفلته وتقصيره، ومن هنا قال البُستي:

زيادة المرء في دنياه نقصان                      وربحه غير محض الخير خسران

والحمد لله أولًا وآخراً 

 

مجلة الشراع