أكرمكم أتقاكم / بقلم الشيخ أسامة السيد/ الشراع
مجلة الشراع 10 كانون اول 2021
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {يآ أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} سورة الحجرات.
وعن جابر بن عبد الله قال: “خطَبنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق (ثلاثة أيام تلي عيد الأضحى) خطبة الوداع فقال: يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجميٍ على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، إن اكرمكم عند الله أتقاكم، ألا هل بلَّغت. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فليُبلّغ الشاهد الغائب” رواه البيهقي.
لقد عاشت أممٌ وشعوب كثيرة قبل النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم في طبقاتٍ يتميَّز بعضها عن بعض تكبُّرًا وغرورًا، بل وما زال بعض الناس هكذا إلى يومنا الحاضر فهذا يفخر بعشيرته وذاك يفخر بملكه وآخر يفخر بماله بينما هم غارقون في الفساد ويرون الشرف بأشياء لا يد لهم فيها أصلًا كالقوميَّات والأنساب، وربما تبرَّأ الأب من ولده لفقره أو ضعفه أو لونه. وكم أكلت نار العصبية قديمًا وحديثًا قلوبَ أقوامٍ وأقوام فلا يقيمون ميزان العدل ولا يُنصفون المظلوم. ومن قرأ التاريخ وتأمَّل أحوال الناس أدرك معنى ما نقول.
وما أن انبلج فجر النور بمبعث سيد المرسلين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم حتى راحت تتبدد كل تلك المفاهيم الفاسدة وتعمُّ المبادئ الصحيحة، وإذا بفقراء فاقوا بالفضل أغنياء وإذا بناسٍ من أجناسٍ شتَّى يفوقون آخرين من أصحاب الأنساب علمًا وقيادةً ما يعني أن النسب والفقر والقوميَّات المغمورة غير المشتهرة واختلاف الألوان والألسن كل ذلك ليس عائقًا أمام بلوغ مراتب الكمال لمن جدَّ في ذلك وبقدر ما يتقي العبد ربه يكون أكرم وأكرم.
الناس لآدم
وقد جاء في “زاد المسير” لابن الجوزي وغيره “أنه لما كان يوم فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلال بن رباحٍ الحبشي الصحابي الجليل المعروف فصعد على ظهر الكعبة فأذَّن فذلَّ المشركون وتكلَّم ناسٌ عند ذلك في بلالٍ بما لا يليق من التعيير إيَّاه بلونه وجنسه فأنزل الله تعالى الآية أعلاه”. “والشعُوب”جمع شعْبٍ وهو الحي العظيم من الناس مثل مضر وربيعة، “والقبائل” دون الشعوب كبَكرٍ من ربيعة وتميمٍ من مضر فالشعب يجمع القبائلَ والقبائلُ تجمع الأفخاذ (أفخاذ القبائل) وبذلك يتعارف الناس أي يعرف بعضهم بعضًا في قُرب النسب وبُعده للقيام بالحقوق المطلوبة تجاه أقاربه بحسب أحوالهم. وفي الآية زجرٌ عن التفاخر بالأنساب والأموال والازدراء بالفقراء والمستضعفين وغير ذوي الأنساب القرشية أو العربية، فإن مدار الأمر على التقوى والعمل الصَّالح فجميع الناس يرجعون إلى أصل واحدٍ وأبو البشر جميعًا نبي الله آدم عليه السلام وأمهم السيدة حوَّاء، فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”قد أذهب الله عنكم عُبِيَّةَ الجاهلية (العُبِيَّة: الكِبر) وفخرَها بالآباء، مؤمنٌ تقيٌ وفاجرٌ شقي والناسُ بنو آدم وآدم من تراب” رواه الترمذي. فمن كان مؤمنًا صالحًا كان ذا فضلٍ عند الله بقطع النظر عن الأموال والأنساب والألوان والمناصب، ومن كان كافرًا كان أحقر خلق الله ولو كان أميرًا أو ابن أميرٍ وكان حسن الصورة أو كان ملك الدنيا بأسرها، وقد كان أبو لهبٍ جميل الصورة تتوقَّد وجنتاه كاللهب وهو فوق ذلك من قريشٍ من بني هاشم وعم رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أغنى عنه كل ذلك من شىء ولم يُنزل الله سورة كاملة في ذم أحدٍ إلا في أبي لهب، قال تعالى: {تبت يدآ أبي لهبٍ وتب} سورة المسد. وكم مضى في الزمن الأول طغاة كأبي لهبٍ كانوا ذا نسبٍ ومنصبٍ ومال كفرعون ونمرود وشدَّاد بن عادٍ وقارون وهامان فلم يغن عنهم كل ذلك شيئًا وما زالوا يُذمُّون عبر الزمان من غير أن يُعير أحدٌ باله لأنسابهم أو مناصبهم أو أموالهم وقد جعل الله فيهم عبرةً لمن يعتبر.
عظمة الإسلام
وفي مقابل ذلك فكم من رجالٍ كانوا من قوميَّاتٍ شتى وقبائل لا تُعرف في أجسامٍ ضعيفة وألسنة وألوانٍ مختلفة فاقوا أهل عصرهم في العلم أو الإمارة، ولو نظرنا في أسباب ذلك لرأينا الفضل للإسلام يشهد لذلك القرآن والحديث والواقع عبر التاريخ. ولئن كان نزل في أبي لهبٍ ما نزل من كتاب الله وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم فلقد كان حمزة بن عبد المطلب أيضًا عم النبي صلى الله عليه وسلم وبالنظر إلى أحوال الشخصيتين فقد ذمَّ الله أبا لهبٍ وتوعَّده وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حمزة: “سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطَّلب” رواه الطبراني عن ابن عبَّاس. فلو كانت العبرة بمجرد قرب النسب من الأشخاص الفاضلة فقط لما كان فرقٌ بين حمزة عليه السلام وبين أبي لهب لعنه الله.
وقد روى مسلمٌ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ومن بطَّأ به عملُه لم يُسرع به نسبُه” معناه من كان عمله ناقصًا لم يُلحقه نسبه بمرتبة الصَّالحين.
وقديمًا قيل:
لعمرك ما الإنسان إلا بدينه فلا تترك التقوى اتِّكالًا على النسب
فقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارسٍ وحُطَّ بالشرك النسيب أبو لهب
وعن زيد بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سلمان الفارسي الذي لم يكن قرشيًّا فضلًا عن أن يكون عربيًا أصلًا: “يا سلمان أنت منَّا أهل البيت”. وقد كان الإمامُ أبو حنيفة الذي يعمل بمذهبه ربما أكثر من ثلث الأمة الإسلامية بعربها وعجمها وأميرُ المؤمنين في الحديث البخاري وشيخُ العربية سيبويه والسلاطينُ والقادةُ طارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس وغيرهم كثيرٌ كلهم من العجم فما قصَّر بهم ذلك عن مراتب الشرف ويطول سرد الأمثلة في ذلك لو استرسلنا.
فهذا ديننا وهذا نهجنا الذي علَّمنا إيَّاه الإسلام وليخسأ كل حاقدٍ يتَّهم الإسلام بالعنصرية فكم من دولٍ وأممٍ ومنظَّماتٍ نشهدها اليوم تدَّعي أنها تدافع عمَّا تسميه “حقوق الإنسان” وهي في حقيقة الأمر تمثل العنصرية في أبشع صورها.
والحمد لله أولًا وآخرًا.