كتب البروفيسور وليد الأيوبي ثورة ١٧ تشرين ٢٠١٩: قراءة في الأسباب والنتائج

تخضع المعارضة السياسية الهادئة لقانون التوازن الديناميكي أي إنها لا تشكل حالة مواجهة تصاعدية، بقدر ما تشكل حالة حلزونية متعرجة لا تؤدي الى أي تحول عميق في هياكل الدولة المجتمعية سوى عند التقاء العوامل الموضوعية الحرجة، بالعوامل الذاتية الحرجة، وباللحظة السياسية الحرجة!
ولا يحصل الانتقال من طور المعارضة السياسية الهادئة والدخول في طور الثورة الصاخبة سوى عند انسداد الأفق…فخلال المرحلة السابقة على ثورة ١٧ ت1 ٢٠١٩ كنّا نعبر عن معارضة هادئة للأداء السياسي السائد، وبما أن الأوضاع الاقتصادية كانت حينها مقبولة، فقد كانت “ثورتنا” حينها هادئة نسبيا، ولقد سجلنا العديد من الملاحظات الاصلاحية، ورفعنا مرّات عديدة الصوت عاليا، ونلنا جرّاء مواقفنا كثيرا من الثناء… وقليلا من الانتقاد…
وأسهم قانون الانتخاب البرلماني في تأزيم حالة التضخم في ظاهرة تركيز السلطة على مستوى التمثيل السياسي في البلاد، وفي تكريس دور الأليغرشية المتمثلة بالإقطاع السياسي والإقطاع الطائفي والإقطاع المالي، في إحكام قبضتهم المطلقة على كل مفاصل النظام السياسي…وعلى كل الثروات في كل البلاد…في وقت كانت فيه هذه الثروات تشارف على النضوب..
ونتيجة لما سلف، ولحرمان هذا القانون قوى التغيير المستقلة -المحرومين أصلا- من الحق بالتمثيل السياسي حرمانا كاملا، ناهيك عن حرمانهم من الترقي المهني-الاجتماعي فقط لكونهم يقعون خارج دوائر الولاء الحزبي، والانتماء الطائفي، والنفوذ المالي التي يكرّسها نظام اقتسام المغانم البغيض، انتقلت المواجهة مع السلطة من القاعات الى الساحات، ومن المؤسسات الى الميادين، ومن طور المعارضة الهادئة دخولا في رحاب الثورة الصاخبة التي أكست قوى التغيير بعدا راديكاليا يشكل تهديدا سياسيا وجوديا للطغمة الحاكمة غير مسبوق في تاريخ الجمهورية…
لقد أسهم المسار التنازلي الذي شهده أداء السلطة نتيجة التدخلات السياسية السافرة والمتوحشة في مؤسسات الدولة وقطاعاتها ومرافقها، في جعلنا نقتنع بأن المعارضة الهادئة غير مجدية، وبأن التغيير المنشود غير ممكن التحقيق…ولقد تنامت نزعة التغيير لدينا مع التقاء عاملين جوهريين: انسداد الأفق السياسي والتراجع الدراماتيكي في مستوى الرفاهية…
فاعتقاد السلطة بأن إرادة الناس في التغيير الصاخب تتعطل طالما أن حقوقهم الاجتماعية متوفرة، كان اعتقادا خاطئا، فالحقوق الاجتماعية أساسية لدى عامة الشعب، وقد تكون وجودية لدى الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا، إلا أن الحقوق السياسية أقل منها أهمية لديهم، أما لدى النخب، فإن الحقوق السياسية والاجتماعية تتساوى لديها من حيث الأهمية، لا بل إن الحقوق السياسية هي أكثر أهمية من منظور هذه النخب من الحقوق الاجتماعية…
ولمزيد من الدقة، نشير الى ان انسداد الأفق السياسي نتيجة الانتخابات البرلمانية المعلّبة…والانحرافات السياسية المتراكمة…وأزمة الفعالية التي تعانيها مؤسسات الدولة…قد شكل من منظورنا المحرك الأساسي للثورة في بداياتها، أضيف اليه فيما بعد، وبصورة تدريجية، في موازاة تدهور قيمة العملة الوطنية، محرك اقتصادي-اجتماعي تصعيدي، إذ كلما تدهورت قيمة العملة الوطنية، ازدادت الاوضاع الاقتصادية-الاجتماعية سوءا، والحرارة الثورية غليانا…
لقد أضفى العامل الجديد المتمثل بالعامل الاقتصادي-الاجتماعي بعدا جماهيريا على الحراك الثوري، ذابت نتيجة له الشروخ الطبقية بين مختلف الفئات الاجتماعية، وبين مختلف الجماعات الثورية، لكنه أسهم في المقابل في ظهور مفارقات جديدة أبرزها الآتية:
١. تعطيل القدرات التعبوية لدى القوى الثورية بسبب تآكل مقوماتها المالية الذاتية…
٢. تراجع الضغط الثوري المدني المنظم على المنظومة الحاكمة نتيجة تآكل الامكانيات المالية للمجموعات الثورية…
٣. توليد ثلاثية تتمثل بفئة ما اصبح يعرف ب “ثوار الأرض” مقابل فئة “ثوار الفكر”، وفئة ثالثة تجمع بين النضال الفكري والنضال “المادي”…
٤. عدم إسهام العامل الاقتصادي-الاجتماعي في الحد من وطأة التناقضات الايديولوجية القائمة بين القوى الثورية، ولا سيما بين مجموعات اليمين الثوري، ومجموعات اليسار الثوري، والمجموعات الثورية المستقلة عن كل من اليمين واليسار…
وعلى قوى الثورة الحية العمل على رص صفوفها، وتوحيد كلمتها، والتحلي بالحكمة…
فخير الأمور أوسطها…
ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا!
عاش لبنان

حركة “ثورة بلا حدود”