هكذا ألّف الاسلام بين قلوبهم / بقلم الشيخ اسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 12 تشرين ثاني 2021
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين اللهُ لكم ءاياتِه لعلكم تهتدون} سورة آل عمران.
لقد أمرنا الله تعالى في هذه الآية بأمرٍ عظيم لا غنىً لنا عنه ألا وهو الاعتصام بحبل الله المتين الذي لا انفصام له، فمن أراد أن لا يضلَّ عن الطريق القويم ولا يزيغ عن سبيل الهدى فلا بد له من الاعتصام بما أمر الله أن نعتصم به.
قال السمعاني في “تفسيره”: “سبب نزول الآية ما رُوي أن رجلين أحدهما من الأوس (اسم قبيلة) والآخر من الخزرج (اسم قبيلة) تسابَّا فدعا كل واحدٍ منهما قبيلته فثار الحيَّان وضربوا بأيديهم إلى السيوف (قبضوا على مقابضها وتهيئوا لسلِّها) وكاد يكون بينهم قتال فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم وهو على حمارٍ وقام بينهم فنزلت الآية وتلا عليهم فبكَوْا ومشى كل واحدٍ إلى صاحبه وتعانقُوا واصطلحوا وكفوا عن القتال”.
حبل الله المتين
إن صلاح أمر آخر هذه الأمة هو بالتمسك بما صلحَ به أوائلها، ولقد بيَّن الله تعالى في كتابه الكريم أن أصحاب النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم توحَّدوا واجتمعوا على الإيمان بالله ورسوله وتآلفوا وتآخوْا وتظلَّلوا تحت راية دين الإسلام، فوجَّهوا أنظارهم نحو هدفٍ واحد هو حمل الخير الذي استفادوه من هذا الدين العظيم ونشره بين الناس وإضاءة الدروب الحالكة بشموس العلم لإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولا شك أن ذلك من أنبل المقاصد التي يصرف فيها الإنسان همَّته وما أعظم أن نقتدي بالصحابة الكرام فنقتبس من سيرتهم العطرة دروسًا تكون لنا نبراسًا وهَّاجًا في زمن تموج فيه الفتن كموج البحر المتلاطم، وقد بتنا أحوج ما نكون إلى تعميم ثقافة الحق التي جاء بها كل الأنبياء عليهم السلام عنيت بذلك ثقافةَ ديننا الحنيف التي بذل السلف الصالح في سبيل نشرها بين الأمم الغالي والنفيس والتي لا تترقَّى الشعوب ولا تبنى الأوطان ولا تقومُ المصالح ولا نقوى في مواجهة الأعداء المتغطرسين إلا بها. وجديرٌ بنا في هذه الأيام العصيبة من تاريخ أمتنا أن نتأمَّل بتمعُّنٍ شديدٍ معنى ما جاء في القرآن الكريم أعلاه فإن الأمر فيها للعموم لا للصحابة فقط.
ففي الآية أمرٌ بالتمسك بالدين والوقوف عند حدود الشريعة وذلك بأداء الواجبات واجتناب المحرَّمات والإكثار من عمل البر الذي يُرضي ربنا تعالى ونهيٌ عن التَّفرُّق عن الحق لأن ذلك يُفضي إلى النزاع والخُصومة لأجل الدنيا ولا يخفى ما في طيَّات الفُرقة من ضعفٍ وما في أركان الوحدة من قوةٍ وعز. والمراد بكلمة “حبل الله” القرآن الكريم كما في “الدر المنثور” للسيوطي وغيره. ويؤيد ذلك ما رواه مسلمٌ عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله عزَّ وجلَّ هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالة” قال النووي في “شرح صحيح مسلم”: “قال العلماء: سُمِّيا ثقلين لعِظَمهما وكبير شأنهما، وقيل لثقل العمل بهما” أي ثواب العمل بهما ثقيلٌ أي عظيم فمن عمل بالقرآن الكريم رشد ومن اعتصم به هدي الى صراط مستقيم ومن أعرض عنه لا يكون إلا في الحضيض.
نور الإسلام
وقد كان من رحمة الله تعالى بالصَّحابة الكرام أن هداهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وأنعَم عليهم بأن ألَّف بين قلوبهم بالإسلام فرسخت في قلوبهم عقيدة واحدة هي عقيدة الإيمان بالله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقين والإيمان برسل الله وأنهم أُرسلوا بدين واحدٍ هو الإسلام، واجتمعت في تلك القلوب الطاهرة مبادئواحدة تقوم على العدل والإنصاف والإحسان ومراعاة حقوق الله وحقوق العباد فقامت بهم تلك الدولة الراشدة التي ما زلنا نتغنَّى بأمجادها رغم توالي السنين والسنين.
وهنا تظهر عظمة دين الإسلام الذي ألَّف الله به بين تلك الأفئدة رغم كل التناحر الذي كان عليه أصحابها في الجاهلية إذ لا يخفى على كل مُطالع ما كان عليه حال ذلك المجتمع من فسادٍ وظلمٍ وعداءٍ يتحكَّم في النفوس إذ تندلع حربٌ ضروسٌ لسنواتٍ مديدةٍ في ناقةٍ أو في نزاعٍ بين اثنين أيهما فاز في السباق،ويؤخذ سعدٌ بجريرة سعيدٍ لمجرد الانتماء إلى عشيرةٍ واحدةٍ إلى غير ذلك من بغيٍ يطول ذكره، وبرغم كل تلك الضلالات التي سبق انتشارُها البعثةَ الشريفةَوالتي أفضت إلى حروبٍ طاحنة. ومن أمثلة ذلك أنه كان بين الأوس والخزرج قتال دام مائة وعشرين سنة كما في “تفسير السمعاني” مع أن أنساب القبيلتين تعود إلى جدٍ واحدٍ فألّف اللهُ بين قلوبهم فأصبحوا أمةً واحدةً إخوانًا لا يعرفون الفُرقة بعدما كانوا على شفا أي طرف حفرةٍ من النار فأنقذهم منها بالإسلام فصاروا مؤمنين، وبذلك تحصل النجاة من الخلود الأبدي في جهنم لأن من مات على غير الإيمان فمآله جهنم خالدًا فيها أبدا.
وحيث عُلم هذا وهو أظهر من أن يخفى على كل من درس التاريخ الإسلامي فلا شك أن فيما تقدَّم برهانًا ناصعًا ودليلًا ساطعًا على أثر الإسلام في تربية النفوس وتقويمها وتوجيهها نحو الخير، ولذلك نقول: لو نظرنا إلى ما يُعانيه كثيرٌ من الناس اليوم من فُرقةٍ وتشرذُمٍ وتشتُّتٍ وتباعدٍ سواءٌ بين الأقارب أو أبناء الناحية الواحدة لوجدنا سبب ذلك عدم التمسك بالدين على الوجه الذي أمر به ربنا وأرشد إليه نبينا صلى الله عليه وسلم. وبالتالي تنشأ الخصومات والمشاكسات وكم هو جديرٌ بنا أن نذكر نعمة الله التي منَّ بها على الصحابة فألّف بها بين قلوبهم وذكَّرهم تعالى بها وهي نعمة الإسلام الذي ندين به فنطبق تعاليمه الصافية لنسعد كما سعدوا ولنسمو إلى المعالي كما سمت بهم هممهم بحُسن الاقتداء بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
والحمد لله أولًا وآخرًا.