صورة من حِلم الفاروق عمر / بقلم الشيخ أسامة السيد/الشراع
مجلة الشراع 1 تشرين اول 2021
الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.
قال الله تعالى في القرآن الكريم: {خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف.
لقد بعث الله النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم ففتح به قلوبًا غُلفًا وعيونًا عُميًا وآذانًا صمًّا وأخرج به من شاء لهم السعادةَ من الظلمات إلى النور، ومن نظر في حال المجتمع الجاهلي وما اتسم به من ظلمٍ وظلامٍ وسوء أخلاقٍ ثم نظر إلى التغيُّرات الجذرية التي رافقت هذا المجتمع بعد بعثة سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم يدرك تمام الإدراك ما أجرى الله على يد هذا الرسول العظيم من الخير ومدى التأثير الذي تركه في تلك النفوس بعدما استبدلت حضيض الجاهلية برقيِّ الإسلام. ولو أردنا أن نسترسل في سرد الأمثلة الموضحة لهذه الصورة المشرقة من تاريخ سلفنا الصالح لا سيما أصحاب نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم لطال الكلام وكلَّت الأقلام إلا أنني قد اخترت أن أقدم عن ذلك صورةً من صور عظمة سيدنا الفاروق عمر بن الخطاب حيث لا يزال الكلام يحلو بمدح هذا العَلَم وذكر مناقبه للناس ليقتدي به مريدو الرِّفعة مهما امتدت الأيام وطال الزمان، ولا يخفى ما كان عليه سيدنا عمر بن الخطاب في الجاهلية من الشدة بالإضافة إلى ما اتصف به من الصفات البدنية إذ أعطاه الله بسطةً في الجسم والقوة فكان شديدَ البأس إذا ضرب أوجع وإذا تكلَّم أسمَعَ وإذا قال فعل، وكان سيدَ عشيرته وسفيرَ قريشٍ في المحافل تُخشى سطوته وتُهاب صولته.
حِلم عمر رضي الله عنه
حين بُعث النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم نأى عمر عن الدعوة أول الأمر ثم ما لبث أن نفض عن نفسه غُبار الجاهلية واستجاب لله ورسوله فبلغ في العلياء مكانًا لا يُجهل بل هو أجلى من الشمس في رابعة النهار حتى قال فيه النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم: “لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر بن الخطَّاب” رواه الترمذي من طريق عقبة بن عامر والمعنى أن سيدنا عمر فيه صفات تُناسب النبوة كالعلم والشجاعة والفصاحة وغير ذلك، فلو شاء الله لعصمه مما كان عليه أهل الجاهلية ونبّأه أي جعله نبيًا ولكن شاء عزَّ وجلَّ أن لا يبعث نبيًا بعد محمدٍ صلى الله عليه وسلم.
إنها عظمة الإسلام الذي جاء به كل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعظمة الشريعة التي جاء بها سيدنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم التي جعلت من رجلٍ شُبِّه بالأسد فقيل فيه: أبو حفصٍ (الحفص من أسماء الأسد) لقوته، ينصاع لامرأة ويبكي لموعظةٍ ويرجو دعوة صبيٍ وأمثلة ذلك من سيرته الغرَّاء كثيرة، ولكنني سأقف عند حادثة واحدةٍ من دلائل جلالته المشرقة لتكون لقارئها درسًا وللقادة نبراسًا.
عن عبد الله بن عباس قال: قدم عُيَيْنة بن حِصنٍ فنزل على ابن أخيه الحُر بن قيس وكان (أي الحر) من النفر الذين يُدنيهم عمر (يقربهم منه لعلمهم ورأيهم) وكان القُرَّاء (العلماء العُبَّاد) أصحاب مجلس عمر ومُشاورته كُهولاً كانوا أو شبابًا (الكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين ووخطَه الشيب) فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه (شأنٌ ومنزلة) عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه فاستأذن (أي الحر لعُيينة) فأذن له عمر (أي أذن له في لقاء خاص وإلا فعمر ما كان يحتجب عن الناس) فلما دخل قال: هِيْ (كلمة تقولها العرب للزجر والتنبيه) يا ابن الخطاب فوالله ما تعطينا الجَزْلَ (العطاء الكثير) ولا تحكم فينا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ أن يُوقِعَ به (أي يُنزل به عقوبة) فقال الحر: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {خذ العفو وأمر بالعُرف وأعرض عن الجاهلين} سورة الأعراف. وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر (أي ما خرج عمَّا تضمَّنته من الصفح) حين تلاها وكان وقَّافًا عند كتاب الله تعالى” رواه البخاري، أي كان لا يتعدَّى ما أمر الله به.
وتبقى لنا العبرة
وهنا نقول: حريٌ بنا أن يكون أحدنا وقَّافًا عند حدود الشرع ممتثلًا ما أمر الله به في كتابه ومن ذلك ما جاء في هذه الآية التي تلاها الحرُّ فسكن لسماعها غضبُ عمر ومعنى {خذ العفو} اقبل ما تيسَّر من أخلاق الناس مثل قبُول الاعتذار والعفو والمساهلة في الأمور والمراد بالعُرف في قوله تعالى {وأمر بالعرف} المعروف أي مُر بالمعروف وهو اسمٌ لكل خير، وفي قوله تعالى {وأعرض عن الجاهلين} أمرٌ بعدم مقابلة السفيه بالسَّفه بل بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال تعالى في سورة “المؤمنون” {ادفع بالتي هي أحسنُ السيئة} والمراد ادفع بالخَصلة التي هي أحسن كالحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، والصبر عند الشدة، وقد كان كل ذلك من سيدنا عمر بن الخطاب مع عيينة بن حِصن.
وما أروع أن نقتدي في تطبيق هذه الخصال على أنفسنا بالأكابر كالفاروق عمر العظيم، فالعاقل من لا يُعطي نفسه كل ما تميل إليه وإذا ما كان سيدنا عمرُ على جلالة قدره وهو حين تعرَّض له عيينة المذكور أمير المؤمنين في الأرض وله على المؤمنين السمعُ والطَّاعة فوق ما أتاه الله من قوة البدن والقدرة على مواجهة الخصوم، فليس سيدنا عمر مجرد شيخ في زاوية لا يُعرف ولا ضعيفًا تُرعبه سطوةُ الظالمين ومع ذلك سكن حين تلا الحر عليه الآية.
ونرى اليوم أكثر الناس لا يصبر بعضهم على بعضٍ ولا يقبل بعضهم عذرًا من بعض بل ولا يكتفي أحدهم بمجرد أخذ حقه فقط إذا ما ظُلم إنما يتعدَّى فيبطش ويظلم ويثور، فلربما قتل ولربما سعى في حبس خصمه أو مصادرة ماله أو بيته ولعل القارئ أدرى من الكاتب بكثير مما يحصل بين الناس من نحو هذا، وأجدر بهؤلاء العمل بما أرشد إليه ربنا تعالى والنظر في سير الصالحين وتهذيب النفس بحُسن الاقتداء بهم فلقد قيل: “عادات السادات سادات العادات” أي أن أحسن العادات عادات الأنبياء والصَّالحين، ومن أراد السلامة لزم طريق هؤلاء لا طريق السفهاء الذين يغترُّ بهم الرَّعاع في هذا الزمن العصيب.
والحمد لله أولًا وآخرًا.
مجلة الشراع