إشكالية الإلهي والبشري،الأزلي والتاريخي، المقدس والدنيوي في بنية النص الديني – بقلم عبد الهادي محيسن/ الشراع
مجلة الشراع 1 آب 2021
إن التفرقة الصوفية التي صاغها الشيخ محي الدين بن عربي صياغة دقيقة بين (النبوة) و(الرسالة) – دون أن يشير أدنى إشارة لإفادته الواضحة من التراث الصوفي – تعتمد تلك التفرقة على مقولة أن النبوة هي الأفق المعرفي الأزلي الثابت الخالد الذي يتلقى منه كل الأنبياء والصوفية ، لأنه أفق مفتوح لانهاية له ويعتمد ابن عربي صياغته للفكرة على حقيقة أن الولي اسم من الأسماء الإلهية في حين أن الرسول أو النبي صفات بشرية .
إن التفرقة بين النبوة والرسالة ضرورة للتميز في بنية النص القرآني بين الثابت الأزلي وبين العارض التاريخي ، الثابت الأزلي المدون في اللوح المحفوظ هو المعبر عن النبوة في حين يعبر باقي النص القرآني عن التشريعات الزمانية أي عن جانب الرسالة التاريخية .
وبما أن (محمد ص) يتمتع بجانبي الرسالة والنبوة معا ، فإن القرآن – الكتاب يتألف هو الآخر من جانبين يعكسان جانبي الرسالة والنبوة وبما أن جانب النبوة يمثل الإطلاق والأبدية في حين أن الرسالة تمثل النسبي والزماني وبناء على هذا التقسيم ينقسم الكتاب – القرآن الى الآيات المحكمات اللاتي هن “أم الكتاب” وهو الجزء الدال على الرسالة والى “الآيات المتشابهات” وهو الجزء الدال على النبوة .
وهذا هو التقسيم الوارد في الآية السابعة من سورة آل عمران وهي الآية التي أثار فهمها خلافا بين المفكرين المسلمين حول تحديد معنى “المحكم” – أم الكتاب – وتحديد معنى “المتشابه” من جهة وحول إمكانية معرفة أو علم هذا المتشابه من جانب الراسخين في العلم من جهة أخرى ، والآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب وهن مجموعة الأحكام التي جاءت الى النبي ص .
والتي تحتوى على قواعد السلوك الحلال والحرام ….أي العبادات والمعاملات والأخلاق والتي تشكل رسالته ، وما عدا هذه الآيات المحكمات يتضمن الكتاب الآيات المتشابهات وهي مجموعة من الحقائق التي أعطاها الله الى النبي – ص ، والتي كانت بمعظمها غيبيات أي غائبة عن الوعي الإنساني عند نزول الكتاب والتي تشكل نبوة محمد – ص ، والتي فرقت بين الحق والباطل
وفي سياق آخر لدينا فإن الآيات المحكمات وهن أم الكتاب تمثل (القدر) لأنها قوانين مفروضة حتما على الإنسان وهي قوانين الكون وحياة الإنسان ككتاب الموت وكتاب خلق الكون والتطور والساعة والبعث وهي القوانين التي يتوجب على الإنسان أن يكتشفها ويتعلمها ليستفيد من معرفته لها .
والآيات المتشابهات التي تدل على جانب النبوة ولا تشير الى الرسالة ، والتشابه بمعنى (الإحتمالية والقابلة للتأويل)والفهم بحسب الأرضية المعرفية لكل عصر ولكل جماعة تاريخية مقصود تماما بالنسبة للقرآن ….إنها الطريقة الوحيدة للربط بين “المطلق” و”النسبي”ولوضع الحقيقة الموضوعية المطلقة في قالب لغوي يناسب فهم كل عصر .
إننا مرة أخرى إزاء عنصرين إحدهما ثابت راسخ أبدي وهو المضمون الحق للقرآن والثاني متغير متحرك نسبي لفهم الحقائق المتضمنة للآيات المتشابهات – والتشابه هو في طريقة الصياغة اللغوية أي آليات التشفير اللغوي – وهذا هو سر إعجاز القرآن لأن إعجاز القرآن ليس فقط بجماله اللغوي كما يقول بعضهم لأنه ليس معجزا للعرب وحدهم وإنما للناس جميعا بلغاتهم المختلفة وغير العربية ، وذلك لأن الناس كل بلسانه عاجزون أن يعطوا نصا متشابها كل بلسانه الخاص .
هكذا تم الفصل داخل النص الواحد بين الزماني – الرسالة والأحكام ، وبين المطلق – القرآن النبوة ، لذلك ترتبط أسباب النزول بالأحكام ولا ترتبط بالقرآن لذلك نرى أن القرآن هدى للناس عامة لا فرق بين المؤمن والملحد ولا بين المسلم وغير المسلم ، في حين أن الكتاب هدى للمتقين خاصة أي للمسلمين ، أما الراسخون في العلم فهم مجموعة من كبار الفلاسفة وعلماء الطبيعة وأصل الإنسان وأصل الكون وعلماء الفضاء وكبار علماء التاريخ مجتمعين .
لم يشترط لهذا الإجتماع حضور الفقهاء لأنهم غير معنيين بهذه الآية لأنهم أهل أم الكتاب والراسخون في العلم يؤلون حسب أرضيتهم المعرفية ويستنتجون النظريات الفلسفية والعلمية ويتقدم التأويل والعلم في كل عصر حتى قيام الساعة فعند ذلك يتم تأويل كل الآيات التي تتعلق بالكون وهذه الحياة .
فالراسخون في العلم هم من الناس الذين يحتلون مكان الصدارة بين العلماء والفلاسفة ، وهؤلاء من أمثال البيروني والحسن بن الهيثم وابن رشد واسحاق نيوتن وآينشتاين وتشارلز داروين وكانط وهيجل وغيرهم .