يا شعب لبنان العظيم.. إلى متى الإنتظار؟ / بقلم السيد صادق الموسوي/الشراع
121
مجلة الشراع 5 تموز 2021
كثيرون تغزلوا بلبنان منذ قرن وأكثر، ووصفوا الشعب اللبناني بأجمل الأوصاف، وقدّروا روح الحرية والإستعداد للفداء لديه، ولقد صدق ظن العالمين باللبنانيين في مراحل عديدة، لكن ظنهم فيه قد خاب في مراحل مصيرية أيضاً.
أن ينجح الشعب اللبناني القليل في العدد والصغير في المساحة والمتعدد في الأديان والطوائف والمختلف في الولاءات، في طرد الجيش الأقوى في المنطقة من أرضه بإرادته وحده، ويقهر الأساطيل التابعة للقوى الكبرى ويجبرها على مغادرة مياهه خائبة، وأن يهزم منطق ” البعض ” في الرهان على دول الإستكبار وفي مقدمهم الولايات المتحدة، كل هذا يمكن وصفه بأنه يشبه الإعجاز الإلهي، وهو تصديق لقوله تعالى:
( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله )
وهو تحقيق لوعد الله سبحانه:
(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) ..
لكن،
هذا الشعب الغالب على عدوه بقوة الإيمان وبالإعتماد على وعد الله بنصر المؤمنين، والمستعد لتقديم فلذات الأكباد في سبيل الله ومن أجل تحرير ترابه من دنس الغاصبين، والصابر على أنواع البلاء والمتحمل لمختلف الضغوط..
هذا الشعب العظيم فعلاً وبكل معنى الكلمة وباعتراف الخصوم قبل الاصدقاء، يقف عاجزاً أمام حفنة من الفاسدين الذين:
يمصّون دمه..
وينهبون ماله..
ويجبرونه على الهجرة..
ويُذلّونه أمام الأمم..
ولا نجد في هذا المضمار لهذا الشعب العظيم أي نشاط حقيقي عابر للطوائف والمذاهب والأحزاب، لدحر رموز الفساد محتلي المواقع السياسية والإقتصادية بعدما نجح بجدارة في دحر الصهاينة محتلي المواقع العسكرية!
ولماذا امتلكت المراة اللبنانية الشجاعة وصبّت ” طنجرة الزيت المغلي ” على رؤوس الجنود الصهاينة من فوق سطح منزلها لكنها تقف اليوم مستسلمة أمام من يقطع الحليب عن طفلها الرضيع، ويمنع الخبز عنها وعن أبنائها..
ويتصرف بما جنته هي وبعلها وأبناؤها بكدّ اليمين وعرق الجبين، وبما كسبوه من العمل المضني في الحقول تحت الشمس الحارقة، ومن تحمل المشاقّ في بساتين الزيتون، ومن تكبد العناء الشديد في مزارع التبغ، ثم أودعوا هذه القروش المعدودة كلما حصلوا عليها في المصارف على أمل أن يهنأوا بها في قابل الأيام ويستعينوا بها في أيام الضيق والشيب.
أما الشاب الغيور الذي لم يعبأ بجبروت الصهاينة الذين يملكون أحدث الأسلحة وأقوى الصواريخ، والذي انبطح أمام إرادته قادة الدولة الأقوى في المنطقة، واستسلم لإرادته أكثر الكيانات بطشاً وإرعاباً، وتخلى عن كل أحلامه المستقبلية، وقدم روحه الغالية في ميدان المعركة بكل شجاعة، لكننا نجده يقف اليوم،
متفرجاً أمام حفنة من اللصوص الذين لا همّ لهم سوى الإستيلاء على مدخرات الفقراء والمساكين..
واستعمال كافة الأساليب في سبيل إذلال الشعب..
وإجباره على أن يقف مطأطئ الرأس في طوابير طويلة أمام مختلف السفارات الأجنبية طلباً للهجرة إليها وترك البلد للفاسدين يعيثون فيه فساداً ويلعبون بمقدراته كما يشاؤون.
فهل كانت تلك الشجاعة أمام أقوى جيش في المنطقة ودحره استثناءً من القاعدة أم أن هذا الإستسلام لإرادة مجموعة الفاسدين في البلد هو الشذوذ عنها؟
إننا واستناداً إلى التجارب العديدة،
رأينا كيف أن قوافل المجاهدين بسلاحها الخفيف قد واجهت المستعمر الفرنسي، وصدّت المارينز الأمريكي في الماضي البعيد، وهي كانت السباقة في الوقوف مرات في وجه الزعماء الفاسدين في الماضي القريب، وذلك لما تسلم قياده الشجعان حقاً والمؤمنين صدقاً لا بالأقوال الجميلة والخطابات في المناسبات ورفع الأصابع والضرب بالمطارق في الإجتماعات، ولما اتّبع الناس أولئك ” الشجعان الفارغين ” وضعاف النفوس أمام الفاسدين، والمتشاركين في نهب أموال المستضعفين، والمتواطئين مع مصّاصي دماء المحرومين، والذين يتسلمون الدروع من هذا وذاك في وقت كان يجب أن يكونوا هم من يوزعوها على المجاهدين في ميادين المعارك البطولية وعلى المقاتلين الأشاوس في ساحات الجهاد..
وآخرون يملكون كل الصلاحيات القانونية والقدرة على وقف عنجهية المتكبرين الذين يهلكون الحرث والنسل في سبيل تأمين موقع الرئاسة للصهر المدلل بعد انتهاء عهده المشؤوم الذي لم يرَ الشعب اللبناني فيه يوماً من الإستقرار وراحة البال..
ومن قبله،
نالت كافة المناطق اللبنانية نصيباً من قذائف الحقد والكراهية التي كانت تطلقها مدافعه صوب العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية وفي كل الإتجاهات الخارجة عن سلطته، وانتهى أمره إلى القتال ضد مجموعة حلفائه وأقرب أصدقائه ومن أبلغوه أعلى المراتب وأوصلوه إلى قيادة الجيش ورئاسة الحكومة خلافاً للدستور وكرّسوا التقسيم في البلد كرمى لعيونه.
لكن المؤكد أن البلد كله سيتحول إلى أطلال قبل انتهاء العهد المشؤوم..
وسيصبح شعبه كله مهاجراً الى مختلف البلاد في أطراف الأرض
قبل أن يصل اليوم الذي يتسلم الوريث المفاتيح من الرئيس السابق!
ولا أدري هل رضي الناس بالتخلي عن أرضهم التي حرروها ببحور من الدماء إلى الصعاليك الذين لم يكونوا يملكون أي شيء ثم صاروا يتحكمون بكل شيء، والذين كانوا يبحثون عن ليرات معدودة واذا بهم أصبحوا يتقلبون في مليارات الدولارات، وتُسجل بأسمائهم المساحات الشاسعة من الأراضي في مختلف المحافظات، ولم يكن يسمع بهم أحد في لبنان فإذا بهم يفرضون سلطتهم على الرئيس ويتحكمون بقراراته حتى تحول الرئيس الذي أرادوه قوياً ألعوبة بين يدي الصهر العزيز ودمية يحركها كيف يشاء.
أما لبنان،
الذي وقع في أيديهم فهو أصبح:
بلا ماء
ولا كهرباء
ولا خبز
ولا حليب أطفال
ولا دواء
ولا بنزين
ولا مازوت
ولا سلع أساسية للناس
ولا قيمة لعملته أمام عملات الدول الأخرى!!
والمؤسف أن هذا الوضع السيء يسكت عليه الناس، ويقبلون الوقوف ساعات في صفوف المذلة ليحصلوا على قليل من الوقود، ويعطون ” البرطيل ” للعامل في المحطة ليتكرم عليهم ” بتفويل ” السيارة، وبعد تعبئة عدد من السيارات يدعي صاحب المحطة أن مخازنه قد فرغت والوقود قد نفد، ويذهب الناس الذين انتظروا ساعات تحت الشمس الحارقة خائبين وينتقلون إلى صف طويل في محطة وقود أخرى على أمل الحصول على قليل من الوقود..
وتستمر هذه الحال ولا أحد يثور على الحكام الظلمة، ولا رجل شهم يرفع الصوت على السلطة الفاسدة!
بل نرى الذي يقفون في صفوف المذلة يحامي كلٌ واحد منهم عن زعيمه، وكلٌ بحسب طائفته يبرر موقف رئيسه وقائده، ويحمّل وزر الحالة السيئة في البلد على غيره، علماً بأن الزعماء كلهم متواطئون، والذين هم في السلطة من دون استثناء لصوص، ولا أحد منهم نظيف يمكن الدفاع عنه بأي حال.
إذن،
ليقوم الناس من سباتهم العميق مسرعين، ويتجاوزوا خلافاتهم الطائفية والمذهبية والحزبية متحررين، ويبيعوا ولاء زعمائهم الذين يقبضون عن رؤوسهم متاجرين، ويتخلوا عن تبرير سرقات الناهبين من كل الطوائف صادقين، ويرفضوا الذل اللاحق بهم صارخين، ويهبّوا هبة رجل واحد ثائرين..
فعند ذلك يكون الشعب اللبناني عظيماً هذه المرة أيضاً لدى أمم الأرض أجمعين،
ويعينهم الله القهار بعد نهوضهم على الجبارين، وينصرهم بعد تحركهم على الظالمين، ويهديهم بعد سعيهم إلى الفوز في الدارَين، فهو وعد وهو أصدق الصادقين:
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلنا ) صدق الله العلي العظيم.