واشنطن تحت حراب العسكر / بقلم السيد صادق الموسوي/الشراع
76
مجلة الشراع 29 نيسان 2021
ورد في الأخبار أن العاصمة الأمريكية تعيش حالة التأهب العسكري القصوى استعداداً لأول خطاب للرئيس الأمريكي جو بايدن أمام الكونغرس…
ماذا يعني أن تعيش تحت سلطة العسكر عاصمة الدولة التي تتباهى أمام العالم بتحضر شعبها ورقيّ مجتمعها..؟
وتفاخر بنظام حكمها الديمقراطي!
وتوزع شهادات على دول العالم!
وتعيّن معايير الديمقراطية للعالمين!
وتحدد من يلتزم بمبادئ الديمقراطية ومن ينتهكها!
وتفرض عقوبات على الدول التي تصنفها غير ملتزمة بتلك المبادئ!
وتغدق المساعدات على التي تمارس ” الديمقراطية ” في بلادها!
بل وتُسيّر جيشها لاحتلال بلاد من أجل إقامة ” نظام ديمقراطي ” فيها!
وتدكّ بالصواريخ العابرة للقارات عواصم دول تبعد آلاف الكيلومترات عن الأراضي الأمريكية لأنها ” غير مطبقة لمبادئ الديمقراطية “!
وتفرض الحصار الإقتصادي الأشد ّعلى شعوب لأنها لم تنتخب من هو ديمقراطي حسب رأيها ولو كان هذا الإنتخاب حسب الأصول، وشهد بنزاهته المراقبون المحايدون!
إن واشنطن ومنذ شهور تعيش تحت سلطة الحرس الوطني الأمريكي، ومبنى الكونغرس والبيت الأبيض خاضعان لأشد الإجراءات العسكرية، علماً أن واشنطن DC العاصم، هي من حيث المساحة لا تكاد تُرى على خريطة الولايات المتحدة لصغرها، وسكانها هم الأقل عدداً بالنسبة للمدن الرئيسية الأخرى، وفيها جميع مقرات الدولة الفيدرالية، ومن المفترض أن تكون الأمور تحت السيطرة الكاملة، ويكون الأمن فيها مستتبّاً بصورة دائمة، من دون الحاجة إلى حضور عشرات الألوف من العسكر المدجج بأنواع السلاح، ومحاصرة المباني الرسمية بالمصفحات والمدرعات بل وبالدبابات في بعض الأحيان..!
لكن الصور التي توزعها وسائل الإعلام الأمريكية هذه الأيام تشهد على مدى الرعب الذي تعيشه السلطات في العاصمة الأمريكية من تكرار الهجوم الكاسح على مبنى الكونغرس يوم 06/01/2021، واحتلال قاعاته، والعبث بمحتوياته، وعرقلة نشاطاته، والإعتداء على النواب والشيوخ فيه.
لكن تصوروا لوكان هذا الأمر قد حدث في بلد آخر!
ولو كانت عاصمة دولة غيرها تعيش في ظل حراب الجنود المدججين بالاسلحة كما هي واشنطن، ولو كان رئيس دولة أخرى يخاف من الهجوم على أهم مكان في الدولة ليمنعوه من إلقاء خطاب أمام النواب موجهاً إلى الأمة؟!
فكم من إدانات أمريكية ودولية كانت ستصدر بحق سلطات تلك الدولة، وكم من عقوبات كانت ستقرر ضد رموز ذلك النظام، وكانت التهديدات العسكرية ستنهال عليها إذا لم تتوقف عن سلوكها المنافي لأصول الديمقراطية؟!
لكن العم سام لا يجوز أن يُرمى بأقل من الورد الأحمر، ورئيس الولايات المتحدة دائماً على حق ويدور معه الحق حيثما دار، والتكيف مع أمزجة ساكني البيت الأبيض أمر واجب دون تردد، وتنفيذ تعليمات صاحب الصولجان الأمريكي من المسلّمات لأنه صاحب الأمر والنهي في العالم.
إن هذا الواقع البديهي حتى الأمس أصبح اليوم منتهياً بالواقع المشهود، حيث تحضّر الشعب الأمريكي قد انفضح كذبه، ورقي ذلك المجتمع قد انكشف زيفه، فالتمييز العنصري قد بان بأجلى صوره في المواجهات بين الشرطة والملونين، واعتداءات العنصريين البيض على مواطنيهم السود أمام أعين السلطات الأمنية قد فضح واقع ” تساوي المواطنين ” في الولايات المتحدة و ” عدم التفرقة ” بينهم بسبب العرق أو الدين، وعمليات القتل اليومي في المدارس والجامعات ومراكز البيع ودور الملاهي وحتى في اماكن العبادة تبيّن للقاصي والداني مدى انضباط أفراد المجتمع الأمريكي بالقوانين واحترامهم لحقوق الإنسان في بلادهم.
ثم إن القوة الأمريكية التي كان يهابها أكبر العمالقة بين الدول أصبحت الآن مثار ضحك العالم!
حيث صار من السهل التعرض لحاملة الطائرات الأمريكية والتحرش شبه اليومي بقطع الأسطول الأمريكي..
وقصف أهم قاعدة عسكرية أمريكية..
واحتلال السفارة الأمريكية..
والسيطرة على أحدث الطائرات المسيّرة الأمريكية..وإسقاط النموذج الأكثر تجهيزاً منها..!
وإصدار التحذير لقطع البحرية الأمريكية بالإبتعاد عن منطقة تدريبات عسكرية..
وأخيراً إجبار الديبلوماسيين والجنود الأمريكيين على رفع الأيدي معلنين الإستسلام..!
والأكثر صراحة ووضوحاً كان اشتراط الوفد الإيراني إزالة العلم الأمريكي من بين أعلام الدول المشاركة في اجتماع فيننا النووي ليقبل دخول قاعة الإجتماعات واضطرار المشرفين قبول الشرط الإيراني، ولا يجد أحد أثراً لعلم الولايات المتحدة في القاعة طوال مشاركة وفد الجمهورية الإسلامية في اجتماعات المفاوضات النووية الدائرة حالياً، وأيضاً كان رفض إيران إقامة ممثل أمريكا في تفس الفندق الذي يقيم فيه الوفد الإيراني…!
هذا هو واقع الولايات المتحدة اليوم، حيث لا هيبة ولا احترام، في وقت لا يزال بعض زعماء الدول يرتجفون خوفاً أمام أقل موظف في الإدارة الأمريكية، ويتلعثمون في الكلام أمام السفير الأمريكي، ويحذرون غضب الإدارة الأمريكية، ويسكتون أمام أشدّ عبارات التحقير لهم التي تصدر بكل وقاحة على لسان المسؤولين الأمريكيين، ولا يصدر منهم أي اعتراض ولو ظاهري على وصفهم بـ ” البقرة الحلوب”، ورداً على تأكيد هشاشة أنظمتهم بحيث ” لولا الحماية الأمريكية المباشرة لهم فإن حكوماتهم لا تدوم أكثر من أسبوع، ولا يتمكن أركان النظام من الوصول إلى المطار وركوب طائراتهم للهرب من البلاد “.
إن قليلاً من الجرأة فقط مطلوب من الزعماء ليصدّق بعض البسطاء من مواطنيهم على الأقل أنهم أصحاب كيانات محترمة، وانهم يملكون الشجاعة في مواجهة الغرباء، وانهم كما أرادهم الله سبحانه
(أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين)
وعند ذلك تقف الشعوب بصدق خلف القادة وتحمي أنظمة الحكم، فلا تحتاج تلك الأنظمة للحماية المباشرة من جانب الأجنبي، ولا تضطر إلى تلبية طلب الرئيس المعتوه ترامب بدفع المليارات بمجرد اتصال هاتفي قصير منه، وهنا نتذكر قول الله تعالى في كتابه:
(أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً) صدق الله العلي العظيم.