“نجاح” اللبنانيين أفراداً و”فشلهم كجماعة”.. بين نجيب علم الدين وسلام الراسي

قد يكون مدعاة استغراب هذا الفشل المتمادي لدى اللبنانيين من إنجاز أي استحقاق وطني مشترك، وهو مدعاة استغراب أكبر عندما نستحضر من التاريخ أمثلة لمثل هكذا مواقف، إذ إن العودة الى التاريخ تزخر بكثير من العبر كما لو حدثت اليوم

“الأنباء” تستعيد ما كتبه يوماً الأديب الراحل سلام الراسي، بعنوان “الخبر اليقين عند الشيخ نجيب علم الدين”، وجاء فيه:

كان الشيخ نجيب علم الدين من كبار رجال الأعمال ورجال الفكر على حدّ سواء، وحدَث أنني كنت في لندن عندما نشر كتابه “الشيخ الطائر” سنة 1987 وأهداني نسخةً منه، فإذا هو يؤرّخ لجزء من تاريخ لبنان خلال أربعين سنة. وكرجل مسؤول يجعلنا نشعر بالإحباط

فقال: “صديقك من صدَقك.. أتطلب من نجيب علم الدين في أواخر أيّامه أن يضلل اللبنانيين!”

ووجدني الشيخ نجيب مصغياً إلى حديثه بكل جوارحي، فاستأنس بحسن إصغائي وأضاف: “في لبنان الآن خليط من الناس ولا يوجد فيه شعب لبناني، مع العلم أن الشعب شيء والناس شيء آخر! الشعب الواحد تكون له حقوق واحدة مشتركة وعليه واجبات واحدة مشتركة. وفي لبنان الآن عشرون طائفة تقريباً، لكل طائفة قانون أحوال شخصيّة خاص بها، بالاضافة الى مفاهيم وتقاليد وطقوس خاصة، ناهيك عن أزياء الألبسة التي تمّيز كل طائفة عن الطوائف الأخرى

ولا يستطيع هكذا خليط من الناس أن يؤلف شعباً واحداً ومجتمعاً واحداً، فكيف يستطيع إذاً أن يؤلف دولة يتفيَّأ الجميع في ظّلها على حّد سواء”. هكذا قال الشيخ نجيب

ثم قال: “ولذلك لا تقوم في لبنان الآن أي شركة مساهمة تجمع شركاء من طوائف متعددة، وإذا وجدت فمن إخوان… أو على الأقل من شركاء من طائفة واحدة”

فاعتذرت مقاطعاً، قلت: “ولذلك يقول المثل: ألف أجير يسرق ولا شريك يحاسب”

فاستأنس الشيخ نجيب بمداخلتي، وقال: “ولذلك يتمّيز اللبنانيون بالفرادة، فينجح الأفراد… ولا تنجح الجماعة”

فقاطعته مّرة ثانية وقلت إّني أوافق على صحة كلامه، فلي رّدة من الزجل تقول:

“الأفراد في لبنان من فّضة وذهب

بس الجماعة من تنكْ، يا للعجبْ

الواحد قوي، وعشرينْ بيصيروا ضعافْ

ببلادنا، بّدك تقّلي شو السببْ”

فقال الشيخ نجيب: “أنت توافق معي إذاً، على أن اللبنانيين في وضعهم الحالي، لا يستطيعون أن يؤلفوا شركة مساهمة بكل معنى الكلمة، فكيف تطلب مني إذاً أن أُطمئن اللبنانيين إلى تماسك مجتمعهم وإلى تضافرهم في الدفاع عن حقوقهم المشتركة؟”

فقلت عندئذٍ، من دون استئذان:

“لما غزا إبراهيم باشا بلادنا في القرن الماضي، كان أبوه محمد علي باشا خديوي مصر، قد جّهز له جيشاً من المحاربين المصريين، وأوصاه أن يقوم كلما احتّل بلداً بتجنيد عدد من أبنائه، فيؤّلف جيوشاً متعّددة، يوّزع المصريين عليها ويسّلمهم قياداتها، كما أشار عليه كذلك أن يؤلف كل جيش من عناصر بشرية مختلفة، بحيث لا يكون هنالك أكثرية طائفية أو عنصرية في أي جيش من هذه الجيوش، وذلك تلافياً لاحتمال قيام أيّة تكتلات معاكسة في داخلها. ونفّذ إبراهيم باشا وصيّة والده وألّف عدداً من هذه الجيوش المختلطة، وأطلقها في اتجاهات معينة، فكان جبل الدروز هدفاً لواحد منها

وهبَّ الدروز، كرجلٍ واحد، لمواجهة المصريين وأتباعهم، فتغلبوا عليهم، وقتلوا مَن قتلوا وأسروا من بقي منهم على قيد الحياة. ولما استتبّ الأمر أخيراً، لإبراهيم باشا وسيطر علي معظم أنحاء سوريا ولبنان وفلسطين، جرَّد حملة كبرى قادها بنفسه إلى جبل الدروز، وتغلّب عليهم بعد معارك عنيفة، فاستسلم زعماؤهم اليه. ومما يُذكر أنه أكرمهم وطيّب خواطرهم، وطلب منهم أن يُطلعوه على السّر الذي مكّنهم في الجولة الأولى، من التغلّب على جيشه، مع أنه كان يفوقهم عدّةً وعدداً. فتقدم كبير القوم عند الدروز وقال:

“عَسكركم “لمّ” ونحنا ولاد عمّ”. فأي نتيجة كنت تتوقع إذاً؟”

وما إنْ أكملت حكايتي هذه حتى عانقني الشيخ نجيب، بحرارة، وقال: “إذا طبعتُ نسخة ثانية لكتابي “الشيخ الطائر”، سأجعل حكايتك هذه مسك الختام”