خاص الشراع / احداث طرابلس: رسائل متفجرة تهدد كل لبنان .. وتحرك ماكرون

مجلة الشراع 1 شباط 2021

من يقف وراء احداث طرابلس الاخيرة؟

سؤال قد تكون الاجابة عليه كفيلة باعطاء فكرة واضحة عما يحضر للبنان في المرحلة المقبلة لاسيما القريبة منها.

اما السبب في ذلك،

فيعود الى مقاربات تستند الى معلومات وتتحدث عن ان ما جرى في الفيحاء ليس سوى مقدمة لاحداث اكبر واخطر واوسع نطاقاً ولا تقتصر على لبنان فقط بل تشمل ايضاً ما هو محضر لعدد من الدول تشهد ازمات وحروباً، وفي مقدمة هذه الدول سورية والعراق.

ولم يكن من قبيل الصدفة حسب هذه المقاربات، ان احداث طرابلس جاءت في خضم عودة تنظيم داعش الارعابي الى الواجهة من خلال عملية انتحارية نفذها في  العاصمة العراقية وادت الى ما ادت اليه من قتلى وجرحى.

والاخطر من ذلك هو استعادة مشهد سابق مضت على ظهوره سنوات وعنوانه الاساس هو الارعاب التكفيري .

ولم يكن من قبيل الصدفة ايضاً – ودائما وفق المقاربات نفسها – ان العاصمة الثانية للبنان شهدت تحدياً غير مسبوق منذ انتهاء الحرب البغيضة في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي، وتجسد هذا التحدي باستهداف كل ما يرمز للدولة وسلطتها، بدءاً من مبنى السراي مروراً باحراق المبنى الاثري للبلدية واستهداف المحكمة الشرعية  ووصولا الى التركيز على مقر شعبة المعلومات، مع استخدام اسلحة حربية بينها قنابل يدوية والأهم من كل ذلك تحرك المشاغبين وفق خطة منظمة بدا واضحا من خلال سير احداث طرابلس ان مجموعاتهم كانت تتلقى من  غرف تحكم وسيطرة الاوامر بالانتقال من  مكان الى مكان من اجل القيام بما قاموا به .

ومن بين ما كان لافتا في هذا الصدد هو ان المجموعات لم توفر منزلا لنائب او فعالية من فعاليات المدينة الا وحاولت استهدافه، كما لم توفر جمعية من الجمعيات الناشطة في ميادين مساعدة ابناء طرابلس وتوفير ظروف افضل لابنائهم من اجل التعلم والتخصص.

واكثر ما كان لافتا على هذا النحو هو العمل على استهداف مرجعيات بوزن الرئيس نجيب ميقاتي و نواب تيار المستقبل الحاليين والسابقين، في تحركات لم يعد سرّاً انها هادفة وتنطوي على مشروع فتنة يراد له ان يبدأ في طرابلس ولا ينتهي فيها.

المجموعات عملت وفق قاعدة غب الطلب ولم يكن ما قامت به عابرا او فشة خلق او تعبير عن انفعالات لحظية بل كانت كما ورد انفا مدبرة ومنظمة ومتدرجة وشاملة ما طرح تساؤلات حول ما يملكه محركو هذه المجموعات من قدرات على التخريب واشاعة الفوضى وزعزعة الامن والاستقرار.

وتحت عنوان الجوع والاحتجاج على قرار الاقفال العام بسبب جائحة كورونا، انطلقت التجمعات وبينها المجموعات المندسة التي حولت مسار الاحتجاجات باتجاه استهداف كل ما يرمز للدولة، وهو الامر الذي بدا انه الهدف الحقيقي لما جرى، بمعنى ان الرسالة التي كان يراد ارسالها وصلت، سواء كانت هذه الرسالة مجرد تذكير بما يمكن ان يحصل او انها مقدمة او بروفة لعمل اكبر ، يخشى بعض المتشائمين ان تكون بداية للاعلان عن امارة لتنظيم”داعش “في منطقة طرابلس والشمال.

وكان لافتاً في هذا السياق هو الغياب الكامل للاسلاميين المتشددين التابعين للتنظيمات الارعابية من تنظيم “داعش” وجبهة “النصرة”، عن المشهد التصعيدي وبشكل لا سابق له، على الرغم من انهم غالبا ما كانوا يتصدرون المشهد في كل حدث يحصل في طرابلس وهو  ما استوقف الكثير من المراقبين الذين اعتبروا ان هذا الصمت والابتعاد عن الضوء امر مدروس ومدبر ومقصود، وهو يعبر عن ان لهم اليد الطولى في ما جرى، والتحضير للحظة انقضاض هذه القوى التكفيرية والارعابية بعد ان تكون مجموعات  المشاغبين انجزت ما هو مطلوب منها.

والمسألة هنا تتعدى مسألة تشكيل حكومة ورسائل توجه على هذا الصعيد من قبل فريق العهد المتهم من قبل تيار المستقبل  بالتأخر في الدفع باتجاه انزال الجيش لحسم الموقف او من قبل فريق الرئيس سعد الحريري المتهم بدوره من قبل بعبدا انه يعمل على استثمار ما جرى في عملية تشكيل الحكومة.

المسألة هنا تتعدى الموضوع الحكومي وكل ملف داخلي اخر، وتتعلق بامن طرابلس والشمال ولبنان برمته، بكل ما يمكن ان ينجم عن ذلك من أخطار تطال الجميع ومن دون استثناء.

ولذلك يمكن القول  مما ورد هو ان،

طرابلس يراد لها ان تكون ساحة لارسال الرسائل الى الداخل وكذلك الخارج المعني بالاوضاع في لبنان، كما يراد لها ان،

تكون صندوق بريد يتناول ما ينتظر بلاد الارز من احداث من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب.

وبالطبع،

فان ما حدث ويخشى من تجدده في اي وقت، يستهدف بالدرجة الاولى طرابلس واهلها  كما يستهدف  الذين خرجوا للاحتجاج على حرمانهم بسبب قرار الاقفال العام من تأمين لقمة عيشهم اليومي لاسيما وان الدولة اللبنانية بمؤسساتها المختلفة لم تقم بادنى واجباتها في تأمين ابسط احتياجاتهم كما يجري في دول عديدة تفشى فيها فيروس كوفيد19 المشؤوم ، الا ان طرابلس وهي مدينة الاعتدال والعروبة والمناداة بالدولة يتم التعاطي معها كصندوق بريد تستخدم فيه لاجل بلوغ اهداف اكثر خطورة ، وبما يعيد الى الاذهان التحذيرات التي كان اطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ووزير خارجيته جان ايف لورديان والتي تحدثت عن الفوضى والحرب الاهلية في حال لم يتعاط حكامه مع ما يجري بجدية وبدأوا العمل من اجل تنفيذ برنامج انقاذ تتولاه حكومة جديدة لم تتح ولادتها حتى الان بسبب الخلافات السياسية والشروط والشروط المضادة ، ومحاولات الانقلاب على اتفاق الطائف من منطلق الاوهام بامكان استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية.

قد يعتقد البعض ان في الامر مبالغة، او ان فيه تضخيماً تحكمه اللاواقعية ونظرية المؤامرة، وهذا ممكن في حال خلصت النوايا وتقدم الجميع باتجاه تغليب المصلحة الوطنية العامة على ما عداها.

ولذلك لا يمكن التقليل من خطورة ما جرى في العاصمة الثانية للبنان، وكان لافتاً ان الرئيس الفرنسي عاد للتحرك من جديد بعد احداث طرابلس متحدثا خلال اتصاله مع ميشال عون انه بصدد القيام بزيارته الثالثة الى بيروت قريباً، بعد ان كان قام بزيارتيه الاولى والثانية الى لبنان في اعقاب انفجار المرفأ في اب –اغسطس الماضي.

وهذا الامر بالشكل على الاقل يشير بوضوح الى ان ما حدث في طرابلس باهدافه ومراميه لا يقل خطورة عما جرى في انفجار المرفأ.

فهل ينجح ماكرون هذه المرة مع تولي جو بايدن الرئاسة في الولايات المتحدة في مبادرته لتحييد لبنان عن الصراعات المحتدمة في المنطقة بعد ان فشل في ذلك خلال ولاية الرئيس السابق دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو.

من الصعب الاجابة على هذا السؤال…

الا ان ما يمكن قوله هو ان معاودة ماكرون للتحرك انعشت الامال بامكان منع انزلاق لبنان في براثن الفوضى والحرب الاهلية اللتين سبق وحذر من وقوعهما، وعززت الرهانات بان ما كان مخططا له في مرحلة سابقة ضد بلاد الارز قد سقط بانتظار تبلور صورة المرحلة الجديدة المقبلة .

 

مجلة الشراع