خاص – “الشراع” / الكل بانتظار بايدن و”نصيحة” اميركية بالتمهل في تشكيل الحكومة

مجلة الشراع 28 كانون الأول 2020

كما صار واضحاً،

فان الجميع في لبنان ينتظرون تسلم جو بايدن مقاليد الرئاسة في الولايات المتحدة خلفا لدونالد ترامب.

انتظار بايدن لا يتعلق بتشكيل الحكومة فقط،

بل يتعلق ايضاً بملفات كثيرة عالقة في لبنان منذ فترة غير قصيرة سواء المتصل منها بالازمة الاقتصادية والمالية الضاغطة او بازمة انهيار معادلة السلطة السابقة والتي كانت استندت في المرحلة الماضية على عدة تفاهمات بينها ما عرف بالتسوية الرئاسية بين الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري وتفاهم معراب بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”.

وعلى غرار ما كان يحدث في الانتخابات الرئاسية في لبنان عندما كان الجميع ينتظرون ما يعرف ب”كلمة السر” لاجراء الانتخابات اولا وتسمية المرشح الذي سيكون له الحظ بالوصول الى قصر بعبدا، فان كم الازمات المتتالي في لبنان بات يحتاج الى “كلمة سر” مماثلة، تعبر عن اجواء توافق دولي – اقليمي. وعندها سيفاجأ اللبنانيون بان الامور قد حلت “بكبسة زر” كما يقول مسؤول كبير سابق ل”الشراع” في معرض حديثه عن ان كل ما يحصل حاليا هو مفتعل ومدبر وليس فقط وليد الاعتبارات الداخلية  .

حتى ان مصير المبادرة الفرنسية تجاه لبنان، بات معلقاً على التبدل المنتظر في واشنطن بعد ان حسم المجمع الانتخابي مسألة الانتخابات الرئاسية الاميركية لصالح بايدن باكثرية 316 صوتاً على الرغم من اعتراضات ترامب وفريقه الانتخابي.

والسبب في ذلك يعود الى الشروط الاميركية التي وقفت عائقا امام قوة الدفع التي تجسدت في مبادرة ماكرون في العمل على محاولة اخراج لبنان من دوامة الازمات المستمرة في تفريخ المزيد من المشكلات والعوائق والتخبط والانقسامات، وبما يهدد بحدوث الانهيار الشامل والكامل من دون ان يسقط هذا الكلام دور الاعتبارات الداخلية في ما حصل ويحصل.

وثمة الكثير مما يمكن ان يقال عما جرى وادى الى تعطيل المبادرة الفرنسية ،أقله لجهة سيف العقوبات الذي استخدمته ادارة ترامب من اجل عرقلة اي مسعى من شأنه ان يؤدي الى احداث اختراق في موضوع التوافق على تشكيل حكومة جديدة وفي الانطلاق جدياً في عملية الاصلاح المطلوبة دولياً وعربياً من لبنان للبدء بعملية مساعدته على الخروج مما يتخبط به حالياً.

وثمة رهان فرنسي ،وفق ما يقوله سفير لبناني سابق في دولة اوروبية على ان يقوم بايدن بعد تسلمه الرئاسة في الولايات المتحدة على تفويض فرنسا بتولي عملية اخراج لبنان من وضعه الحالي على غرار ما كان يحصل في مراحل سابقة ( قبل ولاية دونالد ترامب ) وهو ما كانت تعهدت ادارة الاخير به بعد انفجار الرابع من اب- اغسطس الماضي في مرفأ بيروت ولكن في الشكل وليس في المضمون ، وهو ما ترجم في سلسلة من التصريحات والمواقف الحادة  لوزير الخارجية مايك بومبيو ومساعده دافيد شينكر.  الامر الذي ظهر بوضوح لدى قيام رئيس الدبلوماسية الاميركية بزيارة باريس مؤخراً.

وبعد تأجيل زيارة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى لبنان التي كانت مقررة في الثاني والعشرين من الشهر الجاري بعد اصابته بفيروس كوفيد- 19 ، فان مصير الزيارة لا يتصل فقط مرتبطاً بشفاء سيد الاليزيه وهو ما حصل كما اعلن ،بل يرتبط ايضاً بمسار الاتصالات الاميركية – الفرنسية على هذا الصعيد، خصوصاً وان فرنسا مثلها مثل الكثير من اللبنانيين تنتظر بدورها الادارة الاميركية الجديدة لتبني على الشيء مقتضاه سواء بالنسبة لمبادرتها في لبنان او بالنسبة لملفات اخرى ما زالت عالقة بينها وبين واشنطن.

وحال لبنان على هذا الصعيد ، ليس امراً استثنائياً ،

فالعالم كله يتنظر  العشرين من الشهر الاول في السنة الجديدة ، موعد مغادرة ترامب البيت الابيض، بدءاً من الدول الكبرى في مجلس الامن مروراً بدول المنطقة ووصولا الى دول اخرى على امتداد الكرة الارضية ، سواء كانت هذه الدول حليفة لواشنطن او مصنفة في خانة اعدائها ، وذلك  تحسباً او تمنياً لمقاربات اميركية جديدة في التعاطي مع ملفات وازمات وقضايا مختلفة عن المقاربات التي قامت بها ادارة دونالد ترامب، بالنظر الى الدور المؤثر والمفصلي الذي تؤديه واشنطن على امتداد الكرة الارضية كلها، وهي التي تطرح نفسها كزعامة احادية للعالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي رافضة مقولة العالم المتعدد الاقطاب التي سعى اليه الكثير من قادة العالم وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك.

ولعل اكثر الملفات سخونة في مجال ما هو منتظر من مقاربات اميركية جديدة هو ملف العلاقة الاميركية – الايرانية ومصير الاتفاق النووي . وهو ملف لا يعني واشنطن وطهران وحدهما ويهم الكثير من الدول وبينها لبنان، سواء الدول التي تؤيد استمرار الولايات المتحدة في سياسات ترامب الضاغطة على ايران لمحاصرتها وتلبية شروطها في ملفات وازمات عديدة او الدول التي تنتظر تبدلاً في الموقف الاميركي في ضوء ما سبق لبايدن ان اعلنه حول رغبته بالعودة الى احياء الاتفاق النووي .

وما يتصل بلبنان لا يخص حزب الله وحده، بل يشمل كل اللبنانيين لاسيما وان السياسات الاميركية للادارة الحالية استهدفت كل لبنان ، وهو ما دفع الرئيس الفرنسي  في اتصاله الشهير بترامب بعد زيارته الاولى لبيروت بعد انفجار المرفأ الى التحذير من ان الاستمرار في هذه  السياسات المتبعة يخدم الحزب ويقويه ويؤدي الى سيطرته على بلاد الارز خلافاً للاهداف المتوخاة من محاصرته وعزله وضربه.

وبعد تحرك البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي الاخير،

بدفع من الفاتيكان ، لتشكيل حكومة جديدة ، والذي كانت نتيجته عدم النجاح  والعودة الى نقطة الصفر كما قال ،فان كل ما جرى ويجري حتى الان على هذا الصعيد هو في اطار سياسة تقطيع الوقت من قبل الجميع ، بانتظار جلاء الصورة بعد العشرين من الشهر الاول في السنة الجديدة ، وتسلم بايدن مهامه.

وفي معلومات خاصة بـ”الشراع” فان  مسؤولاً اميركياً سبق وتولى العمل في لبنان كموفد لبلاده ، نصح مسؤولا لبنانياً بارزاً  “بالتمهل” في موضوع تشكيل الحكومة تجنباً -على الطريقة اللبنانية – لـ”دعسة ناقصة” قد يخطوها .

وهذا المسؤول الاميركي ليس من فريق ترامب المباشر وان كان يتولى منصباً هاماً في احدى المؤسسات المعنية بالملفات الخارجية. وقد يكون وراء النصيحة خلفيات تتصل بعلاقة الصداقة التي تربطه بالمسؤول اللبناني والحرص على ان لا تصيبه اجراءات كتلك التي اصابت من تضعهم واشنطن في خانة اعدائها واعداء سياساتها في لبنان والمنطقة.

والعمل بهذه النصيحة لا يقتصر على المسؤول اللبناني المشار اليه ، بل يكاد يشمل اغلبية السياسيين اللبنانيين الذين يسود الاعتقاد في اوساطهم بان المشهد الاميركي الجديد سيخلو من دافيد شينكر فضلاً عن مايك بومبيو ، وربما لن يطول الوقت حتى تغادرنا السفيرة الاميركية الحالية دوروثي شيا بعد تعيين ممثل جديد لبلادها.

وفي المقابل،

فان هناك رهانات مضادة من قبل بعض من لم يتعلموا بعد من دروس التجارب الماضية في لبنان. رهانات لاهم لاصحابها الا تحقيق مكاسب في السلطة وتثمير ما يمكن ان يستجد لصالح طموحاتهم الشخصية.

رهانات على  امكانية تكرار ما يؤمن حضورهم القوي على الساحة اللبنانية مع الادارة الديمقراطية العائدة الى السلطة في واشنطن، فتشكل الحكومة الجديدة  على سبيل المثال لا الحصر وفق شروط جبران باسيل وفريقه السياسي من خلال المناخات المتغيرة التي ستولد بعد العودة الى الاتفاق النووي الذي كان اقراره ادى في  السابق الى انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية في اخر ولاية الرئيس الاميركي السابق باراك اوباما.

التمهل او تقطيع الوقت هو عنوان الفترة الحالية، والكلام عن ان تشكيل الحكومة الجديدة مؤجل الى العام المقبل ، يحتمل الكثير من التكهنات حول المواعيد المفترضة لهذا التشكيل ، الا ان المؤكد هو انه لن يحصل قبل تسلم بايدن مهامه ، لاسيما وان احداً لا يستبعد امكان قيام ادارة دونالد ترامب في الايام الاخيرة لانتهاء ولايته بعمل كبير او اكثر من عمل كبير في عدد من الساحات ومن بينها ساحة الصراع المحتدم بينه وبين ايران.

واذا كان قدر اللبنانيين هو المزيد من الانتظار، فان” من بلع البحر لن يغص بالساقية” كما يقول المثل اللبناني العامي، على الرغم مما يمكن ان تحمله الايام المقبلة من الآن وحتى العشرين من شهر كانون الثاني – يناير من مفاجآت بعضها محسوب وبعضها الآخر قد لا يكون في الحسبان.

 

مجلة الشراع