الصراع على دار الفتوى.. والأسماء المرشحة: المفتي يُعانِد وسيناريوهات الخلافة بانتظار الرياض

لينا فخر الدين |

صار الحديث عن دار الفتوى في الأسابيع الماضية مقترناً، على نحو متزايد، بأسماء المرشحين لخلافة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان. ولا يرتبط ذلك فقط باقتراب صدور القرار النهائي لمجلس شورى الدولة، بعدما شكّل تقرير المقرّر ومطالعة مفوّض الحكومة لدى المجلس الأسبوع الماضي مؤشراً إلى أن إبطال قرار رفع السن القانونية للمفتي بات شبه حتمي، بل يرتبط أساساً بضرورة إيجاد مخرج للأزمة، تفادياً لتلقّي الدار مزيداً من الضربات التي قد تنال من هيبة المؤسسة الدينية ومقام الإفتاء وما يمثّله داخل الطائفة السنية.

وفيما وُضع مصير المفتي على “نار حامية”، إلا أن إبطال قرار التمديد لا يعني بالضرورة أن دريان سيسلّم به، إذ يتمسّك فريقه القانوني بأن قرار “الشورى” غير ملزم، وأن المجلس لا يملك سلطة على القرارات التشريعية للمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، بعدما منحته الدولة هذه الصلاحية قبل أكثر من 70 عاماً، إلى جانب استقلالية مؤسسات الطائفة السنية. ويركّز الفريق القانوني على ما يعتبره “خطأً مادياً جسيماً ولا يقع ضمن الأخطاء المطبعيّة” في تقرير المقرّر في “الشورى”، القاضية رانيا أبو زين، التي استندت، في تحديد الطبيعة القانونية للقرار، إلى القرار رقم 46/2012، فيما يحمل قرار رفع السن القانونية للمفتي الرقم 55. وبناءً عليه، سيحاول دريان وفريقه الطعن في أساس التقرير ونسفه، فضلاً عن الدفع بأن ما ورد فيه يمسّ استقلالية المؤسسة الدينية الممنوحة بموجب المرسوم 18، الذي أشار إليه التقرير.

ورغم ذلك، قد يكون المسار أصعب من مجرّد انتظار قرار يبدو محسوماً، في ظل سياسة تطويق بدأ خصوم المفتي إعدادها، عبر التحضير لسلسلة من الدعاوى والطعون، بالتوازي مع ضغوط سياسية قد تثقل كاهل الدار.

رؤساء الحكومات في المقلب الآخر

ويتردّد في أروقة دار الفتوى أنّ دريان خسر فعلياً معظم أدوات الدعم التي كان يحظى بها لدى مجموعة رؤساء الحكومات. وباستثناء الرئيس نجيب ميقاتي، لم يجد مفتي الجمهورية من يسانده بين هؤلاء، فيما تبقى علاقته بالرئيس نواف سلام باردة. ولم تنجح محاولات التودّد التي بذلها دريان خلال الأسابيع الماضية باتجاه السراي في تغيير موقف سلام أو دفعه إلى الدخول على خط الأزمة نصرةً للمفتي. ويمكن القول إنّ مسار الأحداث عزّز قناعة رئيس الحكومة بعدم التدخل، لما قد يمثله قرار إبطال التمديد من إحراج سياسي، فضلاً عن حساب آخر لا يقل أهمية بالنسبة إليه: تصفية الحساب مع ميقاتي. فالأخير، وفق ما يتردد في السراي، متهم بقيادة محاولة للإطاحة بسلام والحلول مكانه، ما يجعل من الصعب على الرئيس الطرابلسي إقناع رئيس الحكومة بحماسته لبقاء دريان في منصبه.

وما يسري على ميقاتي ينطبق على الرئيس سعد الحريري. صحيح أنّ رئيس تيار المستقبل لا يتدخل مباشرة، إلا أنّ المقربين منه يبدون بدورهم حرجاً في إصدار أي موقف، باعتبار أنّ دعم المستقبل لدريان قد يضر بموقع المفتي لدى السعودية أكثر مما ينفعه. أما الرئيس حسان دياب، فيبدو الأبعد عن الدخول على خط الأزمة، خصوصاً أن دريان لم يسلّفه أي دعم حين كان على رأس الحكومة.

في المقابل، يبدو أنّ الرئيس فؤاد السنيورة الأقدر على تسويق أفكار الحل والربط بين مجموعة رؤساء الحكومات، باعتباره الأكثر إلماماً بشؤون “دار الفتوى”. ولا يحتاج العارفون إلى جهد كبير لمعرفة موقف السنيورة من دريان، إذ إنه الوحيد الذي رفض التمديد علناً عام 2023، داعياً المفتي إلى “عدم الإنجرار إلى هذا الطرح لأنّه لا يخدم مصلحة الطائفة”.

لا إجماع بين السياسيين على أي من المرشحين وتعيين مفتٍ انتقالي يبقى عرضة للطعن

ويقود السنيورة مساعي في أكثر من اتجاه لبلورة حل للأزمة، مكثفاً لقاءاته مع العلماء وعدد من المرشحين لخلافة دريان. ويبدو أنّ السنيورة والرئيس تمام سلام متفقان على المبادئ نفسها، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان الاثنان قادرَين على إقناع سلام بالضغط على دريان للتنحي.

غير أن متابعين يرون أنّ السنيورة، رغم معرفته بخفايا الملف، لا يملك الورقة الأهم: القرار السعودي. فالمسؤولون السعوديون يؤكدون أنّهم لن يتدخلوا في عملية الترشيح، بل سيباركون ما يتوافق عليه المعنيون، وإن كان يُفهم من موقفهم أنّهم لن يقبلوا بإزاحة دريان بقرار قضائي. ومع ذلك، يراهن البعض على تدخّل سعودي في الساعات الأخيرة، في ظل رغبة الديوان الملكي في إسناد الملف السني إلى المرجعية الدينية، في ظل عدم الرغبة في تعويم أي من القوى السياسية الفاعلة على الأرض.

سيناريو المرحلة الانتقالية

حتى قبل أيام قليلة، كان كثير من المتابعين يعتبرون أن التوافق على اسم مفتٍ جديد سيكون صعباً، فيما تعزّزت لدى عدد من العلماء ورؤساء الحكومات، وفي مقدّمهم السنيورة، قناعة بأن الأنسب هو الذهاب إلى مرحلة انتقالية، عبر اختيار شخصية تمتلك خبرة في العمل المؤسساتي داخل دار الفتوى، وتحظى بالثقة وقادرة على قيادة مسار تطوير وإصلاح في الدار، على أن يكون سنّ هذه الشخصية مانعاً لها من الترشح لاحقاً لمنصب الإفتاء، مع تعهّدها بذلك، إلى جانب الالتزام بإجراء “نفضة” شاملة داخل الدار. ومن بين الأسماء التي طُرحت القاضيان الشرعيان الشيخ عبد الرحمن المغربي، والشيخ محمد النقري (مدعوم من السنيورة)، الشيخ أحمد درويش الكردي، الذي يُعد من الأسماء الأقل استفزازاً لمختلف القوى السياسيّة.

إلا أن متابعين يقولون إن أسهم هذه الفكرة بدأت تتراجع، مع عدم قدرة السنيورة على تسويقها وتسويق مرشحيه، والأهم تعذّر تمريرها قانونياً.

ويشير قانونيون إلى أن إقناع دريان بالتنحي وتعيين قائمقام للإفتاء قد يعرّض القرار للطعن، باعتبار أن ولاية المفتي انتهت قانوناً في نيسان الماضي. والأهم، وفق هؤلاء، أن قانون الإدارة العامة والمرسوم 18 واضحان في أن أمين الفتوى يقوم مقام المفتي في حال غيابه عن البلاد، أو مرضه الطويل، أو تعذّر قيامه بمهام منصبه. وبالتالي، فإن التسلسل الإداري يبدو واضحاً: يتولى أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي مهام المفتي في حال تنحّي دريان أو إبطال قرار التمديد له، ما يعني حكماً عدم قانونيّة تعيين قائمقام.

وتزداد صعوبة طرح المرحلة الانتقالية مع ما يُنقل عن الكردي نفسه من أنه يعتزم تقديم طعن في حال إقصائه. وفي المقابل، يروّج البعض لإمكان تغطية القرار عبر عقد جلسة للمجلس الشرعي بنصاب مكتمل، بما لا يمنع الطعن بالقرار، وإن كان قد يضعفه. وعليه، تبدو فكرة المرحلة الانتقالية أكثر تعقيداً من انتخاب مفتٍ جديد، في ظل الصعوبات القانونية التي تواجه تغطيتها. ويجعل ذلك تولّي الكردي مهام الإفتاء السيناريو الأرجح في حال تعذّر انتخاب مفتٍ جديد، بصرف النظر عن الموقف المصري منه.

مَن هي الأسماء المرشحة لخلافة دريان؟

لأنّه يتردّد أنّه لا يوجد “فيتو” سعودي على أيٍّ من المرشحين لخلافة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان، خرجت الأسماء المتداولة لخلافته إلى العلن، من دون أن يبدو أن أحدها يحظى حتى الآن بأفضلية حاسمة.

وإذا كانت للسياسة كلمتها في معركة الترشيحات، فإنّ للعائلات البيروتية حساباتها وتوازناتها أيضاً، وسط حديث عن إمكان دخول اتحاد جمعيات العائلات البيروتية على الخط، ولو بصورة غير مباشرة. وتعود حساسية هذا الملف إلى رفض العائلات الكبرى أن يؤول المنصب إلى شخصية لا تنتمي إلى العائلات البيروتية التاريخية، أو على الأقل إلى إحدى العائلات الكبرى. ومن هنا، باتت مسائل “الحسب والنسب” وأرقام السجلات، وفق ترتيب الأقدمية، عاملاً يُحتسب في رفع أسهم بعض الشخصيات أو حرق أخرى. لذلك، تبدو حظوظ المرشحين متقاربة بانتظار الكلمة الفصل. ومن أبرز الأسماء المطروحة:

■ رئيس المحكمة الشرعية الشيخ محمد عسّاف الذي لا يخفي الرئيس نجيب ميقاتي دعمه له، ولا سيما أن عمّه، رئيس المركز الإسلامي ـ عائشة بكّار علي عسّاف، من الحلقة الضيقة لرئيس الحكومة السابق. ويرى ميقاتي في وصول عساف مكسباً سياسياً يضمن قربه من أعلى سلطة دينية سنيّة في ظلّ الحملة الشرسة عليه. لكن هذا الدعم لا يبدو أنه يرفع أسهم عسّاف لدى عدد من القوى السياسية، وفي مقدّمها رئيس الحكومة نواف سلام، فيما يؤكد متابعون أن الرئيس فؤاد السنيورة يسرد في مجالسه ملاحظات على سلبيات وصول عساف إلى منصب الإفتاء. وبحسب بعض المشايخ، بات دعم ميقاتي لعسّاف أقرب إلى محاولة “حرقه” منه إلى تعزيز حظوظه.

في المقابل، لا يبدو عسّاف مستفزاً للسفارتين المصرية والسعودية، باعتبار أنّه كان حاضراً في دوائر القرار خلال السنوات الماضية، وهو نجل العلامة الشيخ أحمد عسّاف (اغتيل عام 1982). والأهم، بالنسبة إلى خصومه، أنّه يُعدّ من أكثر المرشحين قابلية للتطويع السياسي.

ويرى هؤلاء أنّ عسّاف هو “الابن المدلّل” لدريان، ما يعني، في تقديرهم، احتمال استمرار النهج الحالي في عهده، وربما بصورة أكثر حدّة إذا جاء أداؤه شبيهاً بتجربته في رئاسة المحكمة الشرعية. وينتقد هؤلاء ما يصفونه بميله إلى سرعة الانفعال في إدارة الخلافات داخل المحكمة وفي تعامله مع خصومه، مشيرين إلى أن ردود أفعاله، في أكثر من مناسبة، بدت أقرب إلى سلوك شخصي في إدارة الخصومة منه إلى ممارسة قضائية يفترض أن تحكمها البرودة والرصانة وضبط النفس.

كما يطرح خصومه علامات استفهام حول خبرته السياسية وقدرته على إدارة الملفات المعقدة، مقارنة بالحنكة التي أظهرها دريان في إدارة التوازنات السياسية، ولا سيما في ظل الفراغ الذي تعانيه الطائفة. وإلى جانب محدودية الخبرة السياسية، تبرز أيضاً تساؤلات حول قدرته على تحمّل أعباء المرحلة، بعد وعكات صحية ألمّت به خلال السنوات الماضية وأثرت في حياته اليومية. لكن الأهم بالنسبة إلى خصومه يبقى دوره في عملية التمديد لدريان. فقد أدار، وهو على كرسيه المدولب بعدما كان قد خرج من المستشفى قبل أيام إثر خضوعه لعملية جراحية، ما يصفه خصومه بارتكابه مخالفات للأصول القانونية خلال جلسة التمديد.

■ الشيخ أمين الكردي من أكثر الأسماء حظاً لتولّي المنصب، لكونه أمين الفتوى الذي أناط به المرسوم 18 صلاحيات المفتي ومهامه عند غيابه أو شغور المنصب. وبالتالي، في حال تنحّي دريان، يتولى الكردي مهام المفتي، كما حصل بعد اغتيال المفتي الشهيد حسن خالد. وهو يحظى بغطاء عائلي وسياسي وديني وشعبي، ما عكسته حملات عفوية لتداول صورته على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة. كذلك، تنامى الحديث عن عدم معارضة السعودية لتولّيه المنصب، فضلاً عن دعمه من إدارة الرئيس السوري أحمد الشرع، وإن كانت دمشق لم تسعَ إلى بناء نفوذ صريح داخل دار الفتوى.

المسوّقون لاسم الكردي يقدّمونه بوصفه من أكثر الشخصيات كفاءة لتولّي المنصب، مستندين إلى سعة علمه الديني، وهدوئه، وقوة شخصيته، و”الكاريزما” التي يتمتع بها، فضلاً عن شبكة علاقاته الواسعة بين العلماء وعلى الأرض.

في المقابل، يأخذ عليه منتقدوه عدم معارضته علناً أداء المفتي، أو المبادرة إلى قيادة “نفضة” إصلاحية داخل المؤسسة. كذلك يُشار إلى احتمال أن تؤدي السفارة المصرية دوراً في إقصائه، باعتبارها تراه محسوباً على “الإخوان المسلمين”. وكان الكردي قد برّر توجهه إلى مصر خلال عهد الرئيس السابق محمد مرسي بتلقّيه دعوة رسمية من الدولة المصرية، مرّت عبر دار الفتوى ضمن الأطر الرسمية. ولم يظهر، خلال السنوات الماضية، ما يثبت وجود علاقة بينه وبين أي من القوى السياسية أو التيارات الدينية.

■ مفتش الأوقاف الإسلامية الشيخ أسامة حدّاد الذي بقي اسمه على رأس قائمة المرشحين طوال السنوات الماضية. وهو يتمتع بشخصية كاريزمية تجعله الأقرب إلى عامة الناس بين الأسماء المطروحة، ونادراً ما تخلو عائلة بيروتية من أحد تلامذته. وإلى جانب قربه من العلماء والناس، يُنظر إليه بوصفه من الشخصيات التي تمتلك عقلاً سياسياً بارداً. ويُعدّ حدّاد من أبرز الأسماء التي يسوّق لها السنيورة بين العلماء، من دون أن يتمكن، حتى الآن، من تسويقه سعودياً، وفق ما يتردد. وقد جرت محاولات لإحراق اسمه على خلفية علاقته السابقة بالنظام السوري، قبل أن يزور دمشق دحضاً للاتهامات التي طاولته.

■ الشيخ فؤاد زرّاد الذي يطرحه بعض العلماء لكونه خصماً لدريان الذي لم يتمكن من مواجهته، لا في صناديق الاقتراع ولا داخل المجلس الشرعي. فقد حقق زرّاد خرقين متتاليين في دورتي الانتخابات الأخيرتين، وبقي لسنوات المعارض الأوحد لدريان في المجلس الشرعي، قبل انضمام عضو المجلس، القاضي المدني حمزة شرف الدين، إلى حلقة المعارضين.

ويُعرف عن زرّاد سعة علمه الديني وهدوؤه واتزانه وميله إلى الاستماع أكثر من الكلام، وهو ما أسهم في نجاح تجربته المعارضة داخل المجلس الشرعي، إذ لا يفتح ملفاً قبل التأنّي في دراسته. كما يمتلك شبكة علاقات واسعة بين العلماء، ويتقدّم على عدد من المرشحين الآخرين بمطالبته، منذ سنوات، بإصلاح المؤسسة الدينية وتعزيز الشفافية في عملها.

في المقابل، يأخذ عليه منتقدوه عمله مستشاراً لميقاتي، فيما يرى آخرون أن الأمر لا يتجاوز مهمة وظيفية لم تؤثر في قراراته أو موقفه المعارض لدريان، رغم العلاقة الممتازة التي تجمع ميقاتي بالمفتي. ويستند هؤلاء إلى أن ميقاتي، عندما خُيّر في دعم مرشح لخلافة دريان، اختار عسّاف، لا مستشاره للشؤون الدينية.

ويتردد أيضاً أن اسم زرّاد لن يتصدر لوائح الترشيحات لدى السفارات العربية، لكونه ليس من الشخصيات القابلة للتطويع السياسي.

■ الشيخ أحمد كنعان الذي طُرح اسمه قبل أن يعمل مقرّبون من المفتي على التشويش على ترشيحه، عبر الترويج لوجود “شبهات في ملفات مالية وقانونية” تحيط به. ويربط البعض هذه الحملة بخلافات شخصية بين كنعان ودريان، بلغت حد امتناع الأخير عن مصافحته في مناسبة عامة.

■ الشيخ باسم عيتاني الذي برز اسمه قبل أسابيع قليلة قبل أن تتراجع حظوظه من دون خروجه كلياً من لائحة المرشحين.