*فلسطين.. الدين ليس جنسية، والتاريخ ليس صكّ ملكية* *أحمد حسن الأعرج* كاتب وإعلامي

أخطر ما يمكن أن يواجه قضية وطنٍ مُحتل، ألا تكتفي القوة بمصادرة الأرض، بل تمتد إلى مصادرة التاريخ؛ فيُعاد رسم الحكاية حتى يبدو الأصيل عابرًا، وتُقدَّم رواية سياسية طارئة بوصفها امتدادًا حتميًا للماضي، ثم يُطالب صاحب الحق بأن يثبت انتماءه إلى أرضه.

فلسطين ليست مجرد نزاع على حدود، ولا سجالًا بين روايتين؛ إنها قضية أرض وشعب، وهوية وذاكرة، وحق ومقدسات، وقضية إنسان هُجّر من وطنه قسرًا ثم طُلب منه أن ينسى.

عروبة فلسطين ليست شعارًا، بل جزء أصيل من هويتها التاريخية والحضارية والوطنية التي تشكلت عبر قرون من الاستقرار والثقافة واللغة. ولم تكن فلسطين يومًا أرضًا بلا شعب، بل عاش فيها أهلها، وبنوا مدنها وقراها، وحرثوا أرضها، وتوارثوا المكان والذاكرة جيلًا بعد جيل.

ولا يعني ذلك إنكار تعاقب الحضارات والأمم عليها؛ ففلسطين كانت دائمًا ملتقى حضارات وإمبراطوريات، لكن تعاقبها لا يعني محو المجتمعات التي استقرت في الأرض وتطورت فيها عبر الزمن.

والشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى البحث عن “نقاء عرقي” ليبرهن على انتمائه؛ فالأوطان لا تُبنى على فحوص الدم، بل على المكان والتاريخ والثقافة والذاكرة. الفلسطيني ابن هذه الأرض لأنه ينتمي إلى مجتمع تشكّل على ترابها، وعاش فيها، وبنى حياته فوقها، وحمل هويتها حتى وهو يُقتلع منها.

لكن عروبة فلسطين لا تعني انغلاقها على الدين أو طائفة؛ فهي أرض المقدسات، وذات إرث ديني وحضاري مشترك. وهنا يجب الفصل بين أمرين يجري الخلط بينهما: قدسية الأرض شيء، والسيادة السياسية عليها شيء آخر؛ الدين عقيدة روحية، والجنسية رابطة قانونية.

المساجد لا تمنح المسلمين جنسيات، والكنائس لا تهب المسيحيين دولًا، والمعابد لا تمنح اليهود أوطانًا. المقدسات تُحترم، وحرية العبادة حق، لكن الدين لا يتحول بذاته إلى جنسية، والنص الديني لا يصح أن يكون سند ملكية سياسية، والارتباط الروحي بمكان مقدس لا يمنح حق إلغاء شعب متجذر في أرضه.

ومن هنا، فإن القضية الفلسطينية ليست ضد أي دين، بل ضد تحويل الدين إلى أداة سياسية لإنتاج السيادة، وتوظيف العقيدة لإلغاء الوجود الوطني لشعب آخر.

فلو كان الانتماء الديني وحده كافيًا لتأسيس حق سياسي في الأرض، لتهدم مفهوم الوطن عالميًا. وهل تُرسم خرائط العالم وفق العقائد بدلًا من الجغرافيا والقانون؟

إن الخلط بين المقدس والسياسي لا يخدم الدين، بل يسيّسه، ولا يحمي المقدسات، بل يجعلها وقودًا للصراع، ولا يصون التاريخ، بل يحوّله إلى أداة لإلغاء الحاضر.

ومن هنا، فإن تحويل فلسطين من وطن لشعب له هويته الوطنية والتاريخية إلى “وطن ديني” ليس مجرد اختلاف في المصطلحات، بل تغيير لطبيعة القضية نفسها. فكيف يُمنح فرد حقًا سياسيًا في أرض لم يعش فيها، لمجرد اشتراكه في ذاكرة دينية معها، بينما يُحرم ابن الأرض من حقه الوطني؟

هكذا يتحول التاريخ من سجلّ لخبرات البشر إلى “صك ملكية سياسي” يُستحضر لإعادة تشكيل الحاضر بقوة السلاح.

وعندما ظهرت الصهيونية السياسية في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، لم تكن مجرد استمرار طبيعي للحياة الدينية اليهودية، بل حركة سياسية قومية سعت إلى تأسيس وطن قومي عبر الهجرة والعمل السياسي والاستيطان وسرقة الأراضي ومصادرتها في فلسطين.

ثم جاء وعد بلفور عام ١٩١٧، ليشكل محطة مفصلية في القضية الفلسطينية، حين أعلنت بريطانيا تأييدها لإنشاء “وطن قومي للشعب اليهودي” في فلسطين، من دون أن تمنح الشعب الفلسطيني، الذي كان يشكل غالبية السكان آنذاك، حقه الوطني والسياسي.

وتتابعت المحطات من الانتداب إلى قرار التقسيم رقم ١٨١ عام ١٩٤٧، وصولًا إلى النكبة عام ١٩٤٨، بما رافقها من اقتلاع وتهجير ولجوء. ولم يكن اللاجئ الفلسطيني رقمًا في معادلة ديموغرافية، بل إنسانًا له بيت وحقل وقرية وذاكرة حملها معه إلى مخيمات اللجوء ودول الشتات.

ولهذا نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم ١٩٤ لعام ١٩٤٨، في فقرته المتعلقة باللاجئين، على وجوب السماح لمن يرغب في العودة إلى دياره والعيش بسلام مع جيرانه بالعودة في أقرب وقت ممكن، وعلى دفع التعويضات عن الممتلكات والخسائر والأضرار.

ثم جاءت حرب عام ١٩٦٧ واحتلال ما تبقى من الأرض الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، لتتحول القضية إلى اختبار لمبادئ القانون الدولي.

وقد أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في ١٩ تموز ٢٠٢٤ عدم قانونية استمرار الوجود ~الإسرائيلي~ في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأكد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ومبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة.

وهنا تلتقي الحقيقة التاريخية بالحقيقة القانونية: الشعب ليس ضيفًا في وطنه، وتقادم الزمن لا يمنح الاحتلال شرعية، والأمر الواقع المفروض بالقوة لا يتحول إلى حق مكتسب.

إن قوة فلسطين تكمن في قدرتها على الجمع بين هذه الحقائق دون تناقض: أرض عربية الهوية والحضارة، وأرض مقدسة، ووطن لشعب فلسطيني له الحق في الحرية وتقرير المصير.

الوطن ليس عقيدة، والجنسية ليست مذهبًا، والسيادة ليست صلاة، والتاريخ ليس صكّ ملكية.

يكفي أن تنظر إلى أسماء المدن والقرى، إلى الأوقاف والأسواق، إلى اللهجة والأدب، وإلى المفتاح المعلّق في أعناق اللاجئين، لتعرف أننا أمام ذاكرة شعب حي، لا أمام أسطورة متخيلة.

حاول الاحتلال تغيير الجغرافيا، لكنه لم يستطع تغيير الانتماء. وحاول طمس المكان، فبقيت أسماء القرى محفوظة في صدور أطفال لم يشهدوا النكبة، لكنهم ورثوا فلسطين كحقيقة.

إن المعركة اليوم ليست على الماضي وحده، بل على معنى الحق والشرعية: هل تستطيع القوة أن تفرض الحق؟ وهل يستطيع النص الديني أن يحل محل الجنسية والمواطنة؟ وهل يمكن للمقدس أن يتحول إلى ذريعة لإلغاء وطن؟

فلسطين ليست ضد الدين أو الشرائع؛ فلسطين ضد تسليح الدين ليصبح جنسية، وضد تحويل المقدسات إلى حدود سياسية، وضد جعل التاريخ صكًا للاستيلاء على أوطان الآخرين.

وسيظل الشعب الفلسطيني حاضرًا في أرضه، متمسكًا بحقه في الحرية وتقرير المصير، لأن الحقوق الوطنية لا تسقط بالتقادم، ولأن الحقيقة تبقى واضحة:

فلسطين أرضٌ عربية الهوية، جليلة المقدسات، وشعبها حرٌّ يستحق تقرير مصيره على ترابه الوطني.