الشباب والقمار.. حين يصير الهاتف “كازينو”!
لم يعد الشاب بحاجة إلى أن يذهب إلى كازينو، أو يبحث عن مكان سري للمراهنة، أو حتى يحمل في جيبه مبلغاً كبيراً من المال. اليوم، يكفي أن يكون في يده هاتف واتصال بالإنترنت، لتصبح المراهنة على بعد كبسة واحدة.
القمار الذي كان يحتاج إلى مكان، أصبح موجوداً في كل مكان. في غرفة النوم، في الجامعة، في المقهى، وحتى أثناء متابعة مباراة كرة القدم مع الأصدقاء. تطبيقات ومنصات، إعلانات، عروض، ومراهنات تبدأ بمبلغ صغير، تجعل الانتقال من المشاهدة إلى الرهان أمراً شديد السهولة.
وفي لبنان، لم يعد الموضوع مجرد احتمال نظري. فقد باتت المراهنات الإلكترونية جزءاً من النقاش العام، في وقت لا يزال فيه القطاع يفتقر إلى قانون خاص ينظمه بشكل واضح، فيما تطرح الجهات المعنية نفسها أسئلة حول حماية القاصرين، وآليات التحقق من العمر والهوية، ومسؤولية المنصات والرقابة عليها.
والأخطر أن القمار الإلكتروني لا يدخل إلى حياة الشباب من باب “القمار” بالضرورة، بل أحياناً يدخل من باب الرياضة.
مباراة كرة قدم؟ راهن على الفريق الفائز. عدد الأهداف؟ راهن. من يسجل أولاً؟ راهن. النتيجة تبدو لعبة إضافية لمتابعة المباراة، إلى أن يتحول التشجيع نفسه إلى مناسبة للدفع والمراهنة والانتظار.
وبين رهان وآخر، تصبح الخسارة قابلة للتبرير: “بجرّب مرة ثانية”، “برجع المبلغ”، “اليوم حظي سيئ”. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لأن استعادة المال المفقود يمكن أن تتحول إلى سبب لمزيد من الخسارة.
وقد عرضت تقارير حديثة عن القمار الإلكتروني في لبنان تجارب لشباب تحولت المراهنة لديهم من محاولة لتحقيق ربح سريع إلى سلوك متكرر، مع خسائر مالية كبيرة في بعض الحالات. كما تشير بيانات سوقية إلى نمو إيرادات القمار الإلكتروني في لبنان خلال الفترة الأخيرة.
لكن السؤال الأكبر ليس فقط لماذا يقامر الشباب، بل لماذا أصبح الوصول إلى القمار بهذه السهولة؟
فالشاب الذي كان يحتاج في الماضي إلى الوصول إلى مكان معين كي يراهن، يستطيع اليوم أن يفعل ذلك من هاتفه، وفي أي ساعة، ومن دون أن يعرف أهله بالضرورة ما الذي يفعله.
وحتى الحديث عن منع القاصرين لا يكفي إذا بقي السؤال الأساسي بلا جواب، من يتحقق فعلياً من العمر؟ ومن يراقب آليات فتح الحسابات والدفع؟ ومن يحاسب المنصات عندما تفشل في منع القاصر من الوصول إليها؟
واللافت أن الدولة نفسها كانت قد بحثت في إعداد منصة للمراهنات الإلكترونية، مع حديث رسمي عن ضرورة منع القاصرين، والتحقق من الهوية والعمر، واعتماد أنظمة للمراقبة واللعب المسؤول. لكن هذا النقاش نفسه يكشف حجم المشكلة.. التكنولوجيا سبقت التشريع، والهاتف سبق الرقابة.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي. في بلد يعاني فيه الشباب من ضيق فرص العمل وارتفاع كلفة الحياة، تصبح فكرة “خمسة دولارات قد تتحول إلى مئات” أكثر إغراءً من مجرد لعبة حظ. وهنا لا يعود القمار يُقدَّم في ذهن بعض الشباب كخسارة محتملة، بل كفرصة دخل.
المشكلة لا تبدأ عندما يخسر الشاب ألف دولار. قد تبدأ عندما يقتنع بأن بإمكانه تأمين دخله من خلال الرهان، وأن المال الذي يحتاجه يمكن أن يأتي من مباراة، أو نتيجة، أو ضربة حظ.
والقصة لا تتعلق فقط بالمال. الخسارة قد تجرّ إلى محاولة التعويض، ومحاولة التعويض إلى رهان جديد، والرهان الجديد إلى خسارة أكبر. ومع سهولة الوصول، لا توجد المسافة التي كانت تفصل اللاعب سابقاً عن الكازينو، الكازينو صار في جيبه.
من يحمي القاصرين؟ من يفرض التحقق الحقيقي من الأعمار؟ من يراقب الإعلانات التي تصل إلى الشباب؟ من يضع حدوداً للإيداع والخسارة؟ ومن يضمن ألا تتحول المراهنات الإلكترونية إلى سوق مفتوحة تستفيد من اندفاع شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة؟
قوى الأمن الداخلي كانت قد حذرت في وقت سابق من منصات مراهنات وقمار إلكتروني غير شرعية، ومن شبكات تستدرج أشخاصاً لفتح حسابات مالية وتسليم بياناتها لاستخدامها في هذه الأنشطة، ما يضيف بعداً آخر للمشكلة يتجاوز الخسارة في الرهان إلى المخاطر القانونية والمالية المرتبطة بالحسابات نفسها.