كتب الاستاذ عبد الهادي محفوظ / رئيس المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع /عراقجي أقنع ويتكوف وترامب يناور “بهدنة”

استخدم الرئيس الايراني مسعود بزشكيان منبر الأمم المتحدة “بلغة واحدة” تعكس إجماعا ايرانيا من النخب السياسية والعسكرية في السلطة واضعا حدودا لرهانات أميركية واسرائيلية على خلافات على مستوى الجمهورية الاسلامية وعلى مقاربات مختلفة للحرب والتفاوض.
“اللغة الايرانية الواحدة” تعني إعطاء الأولوية للخيار الديبلوماسي من دون التخلي عن خيار الحرب في حال مضت فيه الولايات المتحدة الأميركية وأعطته الأولوية واستمرت في سياسات الحصار والعقوبات والضربات العسكرية. وايران حاليا تختبر النوايا الأميركية ومدى التزام واشنطن بالخيار الديبلوماسي. من هنا كان تشديد الرئيس الايراني مسعود بزشكيان بأن طهران لا تريد قنبلة نووية وإنما هي حريصة على امتلاك القدرة النووية لأغراض سلميّة. وفي كلامه هذا رسالة لكل من الرئيس دونالد ترامب ونائبه جيه دي فانس اللذين يكرران بأن هدف الحرب والحصار هو الحؤول دون امتلاك ايران لسلاح نووي. هذا وكان وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي قد أكّد مثل هذا الأمر لكل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير في واشنطن بطرق مباشرة أو غير مباشرة عبر الوسيط القطري بحيث أن الرئيس ترامب عقّب على الأمر ووصفه مثمرا.
واقع الأمر ايران تُبدي مرونة وتربط التجاوب مع المطالب الأميركية سواء في مضيق هرمز أو في “مذكرة التفاهم” برفع الحصار البحري وتحرير الودائع الايرانية وإنهاء الحرب. وأما الحذر الايراني من التصريحات الأميركية ومن نوايا “دوائر الحرب” فتبرره ايران بغياب الثقة وانعدامها. وترتكز في ذلك إلى أمثلة يسوقها الديبلوماسيون الايرانيون بتجارب سابقة ولاحقة مع واشنطن. مثل موقف العاصمة الأميركية المنحاز لبغداد في الحرب العراقية-الايرانية. وفي اتفاقية الجزائر. وفي الانزال العسكري الأميركي في صحراء طبس في ايران. وفي الانسحاب من الاتفاق النووي الذي تم التوصّل إليه في العام ٢٠١٥ مع الرئيس باراك أوباما. ومن ثم شنَّ الرئيس ترامب حربين على ايران في ظل مفاوضات واعدة وفي تعطيل “مذكرة التفاهم”. ومن أسباب غياب الثقة الايرانية أيضا التأثيرات الواضحة للوبي الضغط اليهودي رغم التحوّلات المعاكسة في الرأي العام الأميركي وفي أوساط الشباب والنساء. ففي التقدير الايراني أن ترجمة هذه التحوّلات تحتاج إلى وقت غير قصير وإن كانت تؤخذ في الاعتبار.
رغم غياب الثقة الايرانية هناك انفتاح على دور الوسطاء. وتحديدا باكستان وقطر مع رهان خاص على الرئيس الصيني شي جين بينغ. حيث تعتبر الصين الدولة الأعظم بعد الولايات المتحدة الأميركية والتي لا يمكن أن تتخلّى عن ايران وإن كانت تلتقي مع واشنطن وغيرها حول عدم امتلاك ايران لسلاح نووي. وبالتأكيد الصين هي مع فتح معبر مضيق هرمز نظرا لحاجتها للنفط الايراني والخليجي. وإنما تربط ذلك برفع الحصار البحري عن ايران وعن الناقلات النفطية الايرانية. كما أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يأخذ في الاعتبار مسألة الثقة الغائبة بين ايران والولايات المتحدة الأميركية. وهو يريد أجوبة أميركية مطمئنة في هذا المجال. وهو يعتبر أن سياسات العقوبات والعزل الأميركية لايران تأتي من خارج القوانين الدولية وتشكّل تجاوزا للأمم المتحدة ومجلس الأمن. أي أن المفاوض الصيني هو مفاوض صعب ويرغب بتنازلات متبادلة ومضمونة في نتائجها ومستقبلها.
ومع ذلك هناك خشية ايرانية محسوبة من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يناور في مجال الخيار الديبلوماسي وصولا إلى هدنة تسبق الإنتخابات الأميركية وتمنحه وقتا إضافيا لمعالجة ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة الأميركية ولتدفّق النفط ولمعالجة مشكلة الديزل الذي تحتاجه مواسم الزراعة الأميركية الضاغطة خصوصا أنه على ما يقول “غير معني بالإنتخابات الأميركية ونتائجها باعتبار أنه يبقى رئيسا لما يزيد على السنتين”. أي في إمكانه أن يعود بسياسات حرب طويلة وإقامة تحالفات اقليمية وغير اقليمية تستهدف ايران في الخارج والداخل.
وواقع الأمر طهران تريد أجوبة أميركية نهائية الآن وليس غدا. وهي مستعدة لكل الاحتمالات المنظورة وغير المنظورة. ومع ذلك هي مرنة ومتوجّسة.

 

عبد الهادي محفوظ