بالأرقام ـ الهجرة المعاكسة تهدّد “إسرائيل”
لطالما قامت الفكرة الصهيونية، منذ ما قبل قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي، على تحويل الهجرة اليهودية إليها إلى مشروع ديموغرافي وسياسي دائم. وبعد النكبة سنة 1948 وقيام كيان الاحتلال، شهدت “إسرائيل” موجات متعاقبة من الهجرة، كان أبرزها في سنواتها الأولى، ثم الموجة الكبرى من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق في تسعينيات القرن الماضي، عندما وصل إلى كيان الاحتلال أكثر من 900 ألف مهاجر، في واحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخها.
أما اليوم، فتبرز مفارقة ديموغرافية مختلفة: تزايد أعداد اليهود الذين يغادرون، بالتزامن مع تراجع ميزان الهجرة، واستمرار الصعوبات في استقدام مهاجرين جدد بالوتيرة التي عرفتها “إسرائيل” في مراحل سابقة.
وبحسب بيانات المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي، بلغ عدد اليهود الذين صُنّفوا مهاجرين إلى الخارج 69,542 عام 2025، مقابل 82,774 عام 2024، و59,366 عام 2023 . وفي المقابل، بلغ عدد الإسرائيليين العائدين 18,780 عام 2025، و24,150 عام 2024، و29,607 عام 2023، ليصل العجز في ميزان الهجرة بين اليهود إلى نحو 50.8 ألفاً عام 2025، و58.6 ألفاً عام 2024، و29.8 ألفاً عام 2023.
لكن الأرقام الرسمية لا تعكس بالضرورة كامل حجم الظاهرة، لأن تصنيف “المهاجر” يعتمد على مدة الإقامة خارج كيان الاحتلال الإسرائيلي. ولهذا لجأ باحثون من جامعة تل أبيب إلى مقياس آخر أكثر سرعة في رصد الاتجاه، هو مغادرة الكيان لمدة ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل.
والنتيجة لافتة: 268,509 إسرائيليين غادروا كيان الاحتلال بين عامي 2023 و2025 لمدة ثلاثة أشهر متواصلة على الأقل، بمعدل يقارب 90 ألفاً سنوياً. وبلغ العدد 86,509 عام 2023، و91,499 عام 2024، و90,922 عام 2025. وللمقارنة، لم يتجاوز عدد المغادرين وفق المقياس نفسه 183,219 شخصاً خلال السنوات 2013–2015، فيما كان المتوسط السنوي خلال العقد 2010–2019 نحو 60 ألفاً.
ويؤكد الباحثون أن مقياس الأشهر الثلاثة ليس مساوياً للهجرة النهائية، إذ إن بعض المغادرين يعودون إلى كيان الاحتلال. لكنهم وجدوا ارتباطاً قوياً جداً بين مغادرة البلاد لثلاثة أشهر ومغادرتها لمدة سنة أو أكثر، وقدّروا أن 45 إلى 50 ألف “إسرائيلي” ممن غادروا عام 2025 قد يبقون في الخارج لمدة سنة على الأقل.
والأكثر دلالة أن المسألة لا تتعلق فقط بعدد السكان الذين يغادرون، بل بنوعية جزء منهم. فقد أشارت دراسة سابقة للباحثين أنفسهم إلى ارتفاع نسبة أصحاب المداخيل المرتفعة بين المغادرين، فضلاً عن مغادرة أطباء ومهندسين وحملة شهادات دكتوراه وأكاديميين. وهذا يعني أن “إسرائيل” لا تواجه فقط مشكلة في العدد، وإنما في احتمال خسارة جزء من رأس مالها البشري الأكثر تأهيلاً.
فما الذي يدفع هؤلاء إلى الرحيل؟
لا يبدو أن هناك سبباً واحداً. فالمعطيات والدراسات الإسرائيلية تربط الظاهرة بمجموعة عوامل، في مقدمتها الوضع الأمني والحروب، وغلاء المعيشة، وأوضاع سوق العمل، وأعباء الخدمة العسكرية والاحتياط، إضافة إلى الأزمة السياسية الداخلية التي سبقت حرب السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ثم تداعيات الحرب نفسها.
وهنا تبدو حرب غزة نقطة تحول واضحة. فالمغادرة كانت موجودة قبلها، لكن الأرقام تظهر انتقالها منذ عام 2023 إلى مستوى أعلى بكثير من المتوسط الذي ساد خلال العقد السابق.
والمفارقة أن “إسرائيل”، التي نجحت تاريخياً في جذب ملايين اليهود من مختلف أنحاء العالم، باتت تواجه اتجاهاً معاكساً بصورة أكثر وضوحاً.
فمنذ قيامها وحتى العقود الأخيرة، كانت الهجرة إليها أحد أهم مصادر نموها السكاني. وتشير بيانات مكتب الإحصاء الإسرائيلي إلى أن نحو 3.2 ملايين مهاجر وصلوا إليها منذ قيام الدولة، وأن موجة التسعينيات وحدها ضمت أكثر من 900 ألف مهاجر، وأسهمت في زيادة عدد سكانها بأكثر من 10 في المئة.
وفي السنوات الأخيرة بقيت الهجرة إلى “إسرائيل” مستمرة، بل سجلت الوكالة اليهودية نحو 60 ألف مهاجر عام 2022، وهو أعلى رقم خلال عقدين بحسب بياناتها آنذاك. لكن الحفاظ على الوافدين الجدد أصبح هو الآخر تحدياً، إذ أشارت معطيات إسرائيلية إلى أن نسبة من المهاجرين الجدد غادروا البلاد لاحقاً.
وهكذا، فإن السؤال الذي تطرحه الأرقام اليوم لا يتعلق فقط بعدد الذين يغادرون “إسرائيل”، بل بقدرتها على الحفاظ على جاذبيتها لليهود من مختلف أنحاء العالم.
فإذا كانت الحروب وارتفاع كلفة الحياة والاضطراب السياسي تدفع مزيداً من الإسرائيليين إلى البحث عن مستقبلهم خارج كيان الاحتلال، وإذا كانت نسبة من الوافدين الجدد لا تستقر فيها بصورة دائمة، فإن المعادلة الديموغرافية التي اعتمدت عليها “إسرائيل” تاريخياً تدخل مرحلة مختلفة.