بين صمت الشعب وضجيج الأزماتبين صمت الشعب وضجيج الأزمات/ بقلم فضيلة الشيخ مظهر الحموي رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية بقلم الشيخ مظهر الحموي رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية

بين صمت الشعب وضجيج الأزمات
بقلم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية.

لم يشهد لبنان، في تاريخه الحديث، مرحلةً خيّم فيها الصمت على الناس كما هو الحال اليوم ، حتى غدت الساحات التي كانت تضجّ بالمطالب والاحتجاجات خاليةً من نبضها المعتاد.
وقد تراجع الحراك الشعبي بصورة تثير الإستغراب ، في وقتٍ تتفاقم فيه الأزمات المعيشية والاقتصادية والسياسية والأمنية ، وتتزايد معاناة المواطنين من دون أن يلمسوا إستجابةً جدية من الجهات المعنية.
هذا الواقع يفرض تساؤلاتٍ مشروعة: ما الذي أصاب اللبنانيين؟! وكيف تحوّل شعبٌ عُرف بحيويته ورفضه للظلم إلى حالةٍ من السكون ، فيما تتآكل مقومات العيش الكريم؟ لقد كثرت الوعود والشعارات ، لكن الوقائع أثبتت إتساع الفجوة بين القول والفعل ، حتى غدت تلك الوعود كلماتٍ لا تغيّر شيئاً من واقع الناس .
ولعلّ أخطر ما في المشهد أن بعض القوى النافذة ما زالت تستثمر الانقسامات الطائفية ، فتقدّم نفسها حاميةً للوطن، بينما تنصرف إلى تثبيت نفوذها وتعزيز مكاسبها.
وقد إنساق كثيرون وراء هذه الخطابات ، فيما بقيت معاناتهم تتفاقم يوماً بعد يوم.
وتتبدّى آثار الأزمة في مختلف جوانب الحياة : عائلات دمرت بيوتهم ، وأسرٌ أثقلها الغلاء، وشبابٌ يهاجرون بحثاً عن مستقبلٍ أفضل ، ومؤسساتٌ أقفلت أبوابها أو سرّحت موظفيها ، وعاطلون عن العمل ينتظرون فرصاً قد لا تأتي ، وطلابٌ وخريجون يفتقدون الأمل بوطنٍ يوفّر لهم مستقبلاً يليق بطموحاتهم.
أما الموظف، فقد أصبح راتبه عاجزاً عن تأمين أبسط متطلبات الحياة ، والحرفي يعاني كساداً يهدّد مصدر رزقه ، والمريض الفقير يقف عاجزاً أمام كلفة العلاج والدواء ، وربّ الأسرة يرزح تحت هموم تأمين إحتياجات عائلته، فيما تتراجع أحلام الشباب في بناء مستقبلهم بسبب ضيق الأحوال وإرتفاع كلفة المعيشة .
ولا تقف المأساة عند حدود الأزمة الاقتصادية ، بل تمتد إلى أزمة ضمير ، مع إنتشار الإحتكار والغش والفساد في الغذاء والدواء والخدمات ، رغم التحذير النبوي الواضح: «من غشّنا فليس منا»، وهو مبدأ أخلاقي لا يستقيم المجتمع إلا بالالتزام به.
ورغم هذا الواقع القاسي ، لا يزال التحرك الشعبي محدوداً، فيما ينشغل كثير من السياسيين بحساباتهم الخاصة أكثر من إنشغالهم بإيجاد حلولٍ تنقذ الوطن من أزماته وتعيد ثقة المواطنين بدولتهم.
ويبقى السؤال: كيف يمكن تحقيق إصلاحٍ حقيقي في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة ، وتراجع الثقة بين الدولة والمواطن ، وإستمرار الخلافات السياسية والمحاصصات؟
إن الأوطان لا تنهض بالشعارات ، بل بالإرادة الصادقة ، والقيادة المسؤولة، والمواطن الذي يدرك أن التغيير يبدأ من نفسه.
وقد صدق الله تعالى إذ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

 

أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس                                       الشرعي الإسلامي الأعلى .