كتب الباحث الاسلامي المؤرخ الدكتور فؤاد فوزي طرابلسي / عاشوراء: نداء الضمير الإنساني

عاشوراء: نداء الضمير الإنساني

ليست عاشوراء حادثةً عابرةً طواها الزمن، ولا مناسبةً تقتصر دلالاتها على فئةٍ من الناس دون غيرهم، بل هي قيمة إنسانية خالدة تُجسّد معاني العدل والحرية والكرامة. ففيها تجلّى الصراع بين الحق والباطل بأوضح صوره، وارتفع صوت المبدأ فوق حسابات القوة والمصلحة.
لقد خرج الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما حاملاً رسالة الإصلاح، مؤمناً بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك من سلطان أو نفوذ، وإنما بما يحمله من صدق وثبات على المبادئ. فكان موقفه في كربلاء إعلاناً خالداً بأن الظلم لا يصبح حقاً لمجرد امتلاكه القوة، وأن كلمة الحق تبقى أقوى من السيف مهما اشتد بطش الظالمين.
ومن هنا اكتسبت عاشوراء مكانتها في وجدان المسلمين والأحرار في العالم؛ لأنها تذكّرهم بأن نصرة الحق ليست شعاراً يُرفع، بل موقفاً يُتخذ، وأن الوقوف إلى جانب المظلوم واجب أخلاقي لا تحدّه طائفة ولا يحصره مذهب.
إن الرسالة التي تحملها عاشوراء إلى الأجيال هي أن الكرامة الإنسانية لا تُشترى، وأن الحرية الحقيقية تبدأ حين يرفض الإنسان الخضوع للباطل، وأن التاريخ يخلّد أصحاب المبادئ ولو كانوا قلة، بينما يطوي صفحات المتجبرين مهما بلغت قوتهم.
ولذلك ستبقى عاشوراء رمزاً عالمياً لمعنى التضحية في سبيل الحق، ومنارةً تُلهم كل من ينشد العدل، وتؤكد أن الضمير الحي هو القادر دائماً على التمييز بين طريق الكرامة وطريق الذل، وأن الانتصار الحقيقي هو انتصار القيم التي يعيش الإنسان من أجلها ويمضي ثابتاً عليها.