من مآذن أنقرة إلى منشية التل: قصة الرئيس عدنان مندريس وعمق الأواصر التركية-العربية في ذاكرة طرابلس/ الدكتور فؤاد فوزي طرابلسي
من مآذن أنقرة إلى منشية التل: قصة الرئيس عدنان مندريس وعمق الأواصر التركية-العربية في ذاكرة طرابلس
الدكتور فؤاد فوزي طرابلسي
لم يكن فوز “الحزب الديمقراطي” في انتخابات عام 1950 في تركيا مجرد تحول سياسي داخلي، بل كان فجراً جديداً أعاد صياغة علاقة تركيا بهويتها الإسلامية وبمحيطها العربي، ليرسخ عمقاً تاريخياً مشتركاً. وتحت قيادة رئيس الوزراء عدنان مندريس (رحمه الله)، شهدت البلاد ثورةً تصحيحية؛ حيث أُعيد الأذان باللغة العربية بعد حظره لقرابة 18 عاماً، وعاد التعليم الديني والقرآن الكريم إلى المناهج، ورُفع التضييق عن حجاب المرأة ومظاهر الهوية الإسلامية.
لقد كان مندريس يحمل في وجدانه رسالة عميقة تعززت في عام 1959، حين نجا بأعجوبة من حادث طائرة مروع في لندن تحطمت وقُتل معظم ركابها، فاعتبر نجاته عمراً جديداً منحه الله إياه، ويقال إنه نذر نفسه منذ تلك اللحظة لخدمة الإسلام، وتثبيت أركان الهوية التركية الأصيلة.
تجلت هذه الروح الإنسانية الوفية في موقفه التاريخي لإكرام العائلة العثمانية المبعدة؛ فخلال زيارة له إلى باريس، التقى بزوجة السلطان عبد الحميد الثاني (السيدة مشفقة سلطان) التي كانت تعيش في عوز شديد، فبكى مندريس تأثراً بحالها وانحنى مقبلاً يدها وهو يعتذر بمرارة: “اعذرينا يا أمي، لم نعرف حالكم”، ولم يقف عند العاطفة، بل تُرجم هذا الوفاء بإصدار حكومته قانوناً عام 1952 يسمح لنساء السلالة العثمانية بالعودة إلى وطنهن مع تخصيص رواتب كريمة تصون كرامتهن.
هذا التحول نحو الجذور واكبته سياسة خارجية منفتحة قادتها حكومة مندريس ورجالاتها لكسر الجفاء وتكسير الجليد مع الحواضر العربية وإحياء الإرث المشترك، وهي السياسة التي دفعوا ثمنها غالياً لاحقاً في انقلاب 27 أيار 1960 الدموي، الذي انتهى بإعدام مندريس وزملائه في أيلول 1961، وسجن رفيقه وحليفه رئيس الجمهورية محمود جلال بيار.
وفي ذروة هذا الصعود الديمقراطي والتقارب التركي-العربي عام 1955، تُرجمت هذه السياسة الجديدة في زيارة تاريخية قام بها الرئيس التركي محمود جلال بيار إلى لبنان، حيث خصّ مدينة طرابلس باستقبالٍ شعبي ورسمي مهيب، عكس عمق الروابط التاريخية والعائلية المشتركة التي تجمع المدينة بهذه الأواصر.
احتشدت طرابلس عن بكرة أبيها للاحتفاء بضيفها الكبير وبالعهد التركي الجديد، وتقدمت جموع المستقبلين مسيرات طلابية حاشدة ضمت شباباً وفتية برزوا في ميادين العلم والصحافة لاحقاً، ومنهم الفنان الدكتور فضل زيادة والأستاذ الصحافي أحمد درويش.
وفي قلب المدينة، زار الرئيس التركي والوفد المرافق له قصر نوفل (الذي غدا لاحقاً مركزاً ثقافياً بلدياً عريقاً)، كما التقى بنخب المدينة وعائلاتها ووجهائها في منشية التل (الحديقة العامة)، في تظاهرة ثقافية واجتماعية جسّدت عمق التلاحم والترحيب الطرابلسي، والاعتزاز بالهوية المشتركة.
إن قصة إعدام عدنان مندريس في جزيرة “ياسي أدا” وإن كانت تمثل جرحاً تاريخياً، إلا أن صدى مواقفه وإنجازاته ظل حياً في وجدان الشعوب. وتظل ذكريات قصر نوفل ومنشية التل في طرابلس شاهداً حياً على حقبةٍ مميزة حاولت فيها تلك الحكومة التركية المنتخبة أن تعيد وصل ما انقطع، وترسخ الأواصر الثقافية والوجدانية بين الأشقاء.