فخ الحروف على غلاف الكتاب المنشور: كيف تحول هذا الشرك اللاتيني إلى واجهة لسرقة لسان وهوية الأجيال؟ / الدكتور فؤاد فوزي الطرابلسي
فخ الحروف على غلاف الكتاب المنشور: كيف تحول هذا الشرك اللاتيني إلى واجهة لسرقة لسان وهوية الأجيال؟
الدكتور فؤاد فوزي الطرابلسي
للوهلة الأولى، حين تقع عينك على الغلاف الكرتوني العتيق للكتاب المنشور، ستظن أنك أمام مخطوطة بلغة أوروبية نائية أو عبارات تركية من مخلفات العهد الأتاتوركي، لكنك بمجرد أن تحرك لسانك بالأحرف اللاتينية المطبوعة في وسطه “Ceyara finiciyyi: çaayaat w suwar”، ستفاجأ بأن الصوت الخارِج من حنجرتك ليس إلا لهجة لبنانية محكية تقرأ: “سيارة فينيقية: شائعات وصور”. هذا الكتاب يُمثل الشاهد الحي والمادي على مدرسة لغوية راديكالية قادها الشاعر سعيد عقل، الذي سحرته تجربة مصطفى كمال أتاتورك في إلغاء الحرف العربي عام 1928 لقطع صلة بلاده بشرقها، فحاول عقل استنساخ التجربة بحذافيرها في التربة اللبنانية عبر بدعة “الأبجدية اللاتينية اللبنانية” المكونة من 36 حرفاً، مدفوعاً بنزعة فينيقية متطرفة أرادت عزل لبنان عن محيطه العربي الأصيل، واعتبار العامية لغة قومية مستقلة. ولم تكن هذه المحاولة مجرد شطحة فكرية عابرة, بل كانت مشروعاً منظماً تضمن إصدار دواوين وجرائد أسست لأثر فكري سيء كان سيمتد للأجيال لو كُتب له النجاح؛ إذ كان سيؤدي حتماً إلى بتر صلة الأجيال الناشئة بإرثها الحضاري والتاريخي، وتحويلهم إلى أميين عاجزين عن قراءة المخطوطات والقرآن وأمهات الكتب العربية، ناهيك عن إفقار الفكر بحصر العقل في لهجة محلية قاصرة عن استيعاب العلوم والفلسفة. غير أن مصير هذه المدرسة كان الموت في المهد والتهافت السريع أمام وعي المجتمع وعبقرية الفصحى، لتتحول التجربة برمتها إلى مفارقة ساخرة في تاريخ الفكر العربي؛ حيث طوى النسيان أبجدية سعيد عقل اللاتينية وبقيت كتبه المماثلة لهذا الكتاب مجرد تحف بصرية تثير الفضول، بينما خَلُد اسمه في التاريخ بفضل تلك القصائد العصماء التي صاغها بعبقرية ومجاز الفصحى نفسها، لينتصر الحرف العربي في النهاية ويثبت أنه ليس مجرد أداة للكتابة، بل هو جينات هوية عصية على المسخ والتشويه.
